
· إسقاط الأنظمة أصبح سياسة خارجية للولايات المتحدة
· الحرب الأهلية لا تزال احتمالا قويا في العراق
بقلم: إتش· دي· إس· غرينوواي
لدي إحساس عميق بأن تهنئتنا لأنفسنا على الأحداث المشجعة التي وقعت في العالم الإسلامي مؤخرا قد تكون سابقة لأوانها وتمثل خطأ مأساويا في الحسابات·
فقد نشرت مجلة "ايكونوميست" مؤخرا على غلافها العنوان: "الديمقراطية تتقدم في الشرق الأوسط"، مع صور لشبان لبنانيين يلوحون بالأعلام الوطنية·
ونشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" موضوعا آخر تحت عنوان "حجر دومينو مسلم آخر"، في تعليقها على التطورات في قرغيستان· ونشرت مجلة نيوزويك موضوعا رئيسيا تحت عنوان "سلطة الشعب تتعزز في جميع أنحاء العالم العربي" وتساءلت المجلة "هل لعبها بوش بشكل صحيح؟"·
إنه لأمر مغر أن نرى بعد كل الأنباء السيئة في هذه المنطقة من العالم، ضوء في نهاية النفق، فقد حققت الانتخابات في العراق إنجازا راسخا، ولكن على الرغم من أن الانتخابات تمثل بناء ضروريا للديمقراطية، إلا أن الانتخابات، بحد ذاتها، لا تجلب الديمقراطية· ولا تزال المؤسسات اللازمة لازدهار الديمقراطية غائبة·
فلا تزال أعمال التمرد الخطيرة تتصاعد في العراق، ويبدو أن الأمريكيين ما زالوا ينكرون الكشف عن الجهة التي يقاتلونها هناك· لقد قرأت في إحدى الصحف الأمريكية المرموقة مؤخرا أن الأعداء هم مزيج من أنصار صدام وفلول البعث والمجرمين· ولم يذكر شيء عن الوطنيين العراقيين الذين كانوا يكرهون صدام ولكنهم يكرهون الاحتلال بالدرجة نفسها وربما أكثر·
دمينو إسلامي
ويعاني العراق انقسامات اثنية ودينية خطيرة، ولم تفعل الانتخابات الكثير لجسر الهوة الآخذة في الاتساع· وفي الواقع، فإنها ربما أدت الى تفاقم تلك الانقاسامات· فقد تعرضت أهداف شيعية وكردية لهجمات وبدأت كتائب إعدام شيعية بتصفية شخصيات تشتبه بوجود صلات لها مع البعثيين· واحتمالات اندلاع حرب أهلية أو تفكك الدولة العراقية ما تزال قوية· ولذلك، لا زال من المبكر أن نهنئ أنفسنا على إنجازاتنا في العراق·
ولم يكن الفلسطينيون أو اللبنانيون غرباء على الانتخابات، ونجاح محمود عباس والانتخابات ضد التدخل السوري في لبنان يتصل بوفاة ياسر عرفات واغتيال رفيق الحريري أكثر مما يتصل بأي مبدأ لإدارة بوش·
وإسقاط الحكومة في قرغيستان ليس "حجر دومينو إسلامي آخر" وفقا لمسيرة الحرية التي بشرت بها واشنطن بقدر ما هو حجر دومينو آخر لانهيار الامبراطورية السوفيتية· فحين تفكك الاتحاد السوفييتي ونالت دوله الاستقلال، استمرت بعض هذه الدول على نمط القيادة القديم، واكتفى بعض الزعماء القدامى بتغيير قبعاتهم· وقد بدأ ذلك يتغير، أولا، في جورجيا ثم في أوكرانيا (وهما دولتان مسيحيتان)· والآن، في قرغيستان المسلمة·
وتساءلت صحيفة وول ستريت جورنال "مع أنها مجرد مصادفة أن تندلع "ثورة الليمون" في قرغيستان اليوم وليس قبل عامين، فلماذا نحرم الولايات المتحدة بعض الفضل في اندلاعها؟"·
يمكن أن يكون لواشنطن بعض الفضل· لقد سارعت الولايات المتحدة وأوروبا لركوب موجة الانتخابات الصورية وساعدت المعارضة في دول الكتلة الشرقية السابقة· ويمكن للمرء أن يصدق تأثير الولايات المتحدة على تفكير بعض دول الشرق بإجراء إصلاحات سياسية·
نفق مظلم
لقد مثلت الولايات المتحدة قبل خمسين عاما، الأمل والحرية لمعظم شعوب العالم التي كانت لا تزال ترزح تحت الاستعمار الأوروبي· وقد جذبت مدارسها وجامعاتها في العالم الإسلامي على وجه الخصوص، الكثير من ألمع الدارسين في العالم النامي·
وكثيرا ما أستذكر كلمات ستيفن بنروز وهو رئيس سابق للجامعة الأمريكية في بيروت الذي كتب في الخمسينات أن "أحدا لم ينظر أبدا للأمريكيين باعتبارهم مستعمرين، ومن الصعب على معظم العرب أن يتصوروهم هكذا الآن"·
ولكن الوضع لم يعد كذلك·
لقد أقدمت الولايات المتحدة على تغيير أنظمة من قبل· فبعد الانقلابات المدعومة من الأمريكيين في إيران وغواتيمالا في الخمسينات، عبر مدير وكالة المخابرات المركزية آنذاك، ريتشارد هيلمز، عن مخاوفه من أن تصبح هذه الأفعال "سياسة خارجية للولايات المتحدة"· ثم تلت ذلك أزمة خليج الخنازير·
إذن، إذا كان بوسع هذه الدعوة للحرية حفز الناس للسعي الى الديمقراطية، فدعونا نسمعها من الرئيس بوش· ولكن إذا كان الدرس المستخلص من الأحداث الأخيرة هو أن غزو العراق يمكن أن يتكرر في مكان آخر، فإن الآمال - حينئذ - ستتحول الى غبار، وسيكون النفق طويلا جادا وحالك السواد وسيكون بوش قد أخطأ الطريق·
"عن: بوسطن غلوب "
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com