
كتب المحرر الثقافي:
بمناسبة زيارة الوفد الثقافي الأكاديمي التونسي الى الكويت، أقامت رابطة الأدباء لقاء مع أعضاء الوفد مساء الأربعاء الماضي تلته أمسية شعرية للشاعر المنصف المزغني ألقى فيها مجموعة من نصوصه التي لاقت إعجابا من الحضور، قدمه فيها الزميل نشمي مهنا·
رافقته الكلمة
المزغني الذي يقف بين جمهور محب ومتابع لشعره وأسلوبه المميز في الإلقاء بدأ بنص قصير "الحب والسلحفاة والأرنب" اعتمد فيه على حركة الموسيقى الداخلية من حيث الإبطاء في بداية النص (السلحفاة) حتى الوصول الى نبض القلب السريع بعد أن تمكن منه الحب:
قبل دخول الحب
الى قلبي
قلبي كان
ينبض ينبض ينبض
كسلحفاة تمشي،
واثقة الخطوة تمشي الخطوة
إثر الخطوة إثر الخطوة
لا تتعب
وتسابق أرنب·
أما بعد
فبعد وصول الحب
الى قلبي المتكهرب
قلبي صار
ينـ·· ينـ·· ينبض
مثل
سلحفاة··· تتأرنب
وقد جارى المزغني المقطع الأخير بالإسراع في قراءته وطريقة إلقائه·
وفي "ثلاث محاولات لكتابة قصيد واحد" يقول الشاعر في محاولته الأولى:
حبيبي إذا ما حضرت بقربي
كلامي يغيب وقد يمّحي
وإن غبت عني أرى الكلمات
تهيج علي ولا تستحي
وفي المعنى ذاته، يحاول مرة ثانية:
فارقتني الملكة·
رافقتني الكلمة·
راسما المفارقة بين الكلمتين، وتوحيد المعنى بتتويج الكلمة/ الملكة، والمفارقة والمرافقة·
وفي محاولته الأخيرة يقول:
معلمتي تعرف الحرف
والنغمات·
وسر الجرس
وكانت تقشّر من شفتي الكلام
إذا ما يبس
وذات منام
رأيت الكلام
بقلبي انحبس
ثم يسائل الشاعر معلمته التي لم تجبه، وتعوذ بالصمت، فيتخيل أن تقول في سرها:
"إنني أعرف الحرف
والنغمات
وسر الجرس
وحين أحب
أصاب بداء الخرس"
صور متحركة
يلتقط المزغني في بعض نصوصه مشاهد يومية من الشارع والحياة العادية والمقهى، ويختصرها شعرا كلقطة سينمائية مكثفة بالحركة والمعنى والشعرية:
رجل يتبخر في مقهى
يطلب قهوه
تأتي···
امرأة بلباس بني
وشفاه سكر
تطلب قهوه
(يختلط الأمر على النادل:
يأتي بالفنجان على السكّر)
تضع المرأة سكّرها
وتحرك···
تتحرك
في الرجل الشهوه
ينسى السكّر
يتذكر
أنه ذاب···
في امرأة حلوه
وتروي "أرض الأحلام الضيقة" تسع مشاهد قصيرة من مذكرة الشاعر الراوي، تبدأ من ولادته وتنتهي بالشيخوخة، مرورا بالطفولة ومرحلة الشباب والأحلام المزدحمة في مخيلة الرجل الذي يضطر الى التخلي عن بعضها خلال مسيرته الحياتية الصعبة الى أن يفقدها جميعا، فيتنازل في محطته الأخيرة حينما يقبل بتغيير نظرته الى العالم أو "نظاراته":
لكن الأولاد
نصحوني
بتغيير النظارات
وهددوني بتدمير البيت
حبيبان وحلمان يمتزجان
وفي "أغنية لإخفاء الحبيب" يمتزج لحن الأغنية بلحن الأداء والتفعيلات، ليصورا حالة امتزاج أخرى، هي بين حلمين، أو عاشقين حالمين، أو بين حلمهما المشترك وواقعهما، محاولا الشاعر إقناعنا بهذا "التحالم"، مرة بالتقريب بين صور الحبيبة والتصاقهما ببعض، ومرة بتكرار القافية والتزامها في أكثر من موقع، فكانت جميع محاولاته ناجحة ومقنعة ومشوقة:
إني أحب مسار اسمك في دمي
وأخاف صوتك في فمي فلربما
في غفلة من غفوة صوتي وصوتك
في المنام تناوما فتحالما
فتناغما بالأغنيات ترنما
فتزاحما وتراحما فتلاحما
فهُما كما (سكت المشبِّه قائلا)
"وكما هما" لا يشبهان سوى·· هما
ويستمر المزغني الى آخر النص في عمل التنكيك المحترف بتكرار القافية وقطعها وإكمالها في السطر التالي تاركة أثرها، خصوصا أنها تحمل صفة المثنى·
تراتيل للمرأة الحبلى بحبيبها
لكن المزغني في نصه "أغنية امرأة عائدة من الحرب" الذي ختم به الأمسية، يصل الى أقصى حالات التوحد بالنص من خلال إنشاد المقاطع والإبداع بغنائها متكئا على عذوبة الصوت وشجوه وعلى نون النسوة وما يتركه من دلالات في معناه وفي موسيقاه، فتبدأ "المرأة العائدة" وصاياها بالتحذير من جحيم الحب:
فلا تعتبرن الهوى كالهواء أحذركن:
الهواء الى الرئتين سلام القلوب، هدوء وهدنه وأما الهوى فلهيب على الرئتين إذا القلب أصبح فرنا
وتسرد هذه المرأة الحكيمة نصائحها الى أخواتها النساء، بأن الرجال قد "يدعون وقد يبدعون، وليسوا يعون، ولا يخلصون"، حتى أنها تشكك بميراث العشق وقصصه وكلامه "جميل لبثينة" وروايات وأفلام السينما المصورة للنهايات السعيدة·
لكن حكمة هذه الناصحة تخونها إذ تتردد في المقطع الشعري الثاني والأخير لتقول ما يهدم بناء أغنيتها، عندما تحدثهن عن حبيبها:
وصرت أنام بجفنه
أصحو بعينه
باسمه تبكي سمائي نتمطر في القلب سلوى ومَنّا
كأني حبلى بطيفه: ما غير مولده أتمنى
الى أن تعترف:
أحب اسمه في دمي، إن جرى في فمي ازداد حسنا
أخاف نهاية اسمه في شفتي لذا أتمنى
هنا·· حُبسة في اللسان ولكنه·
بعد أمسية المنصف المزغني الشعرية وانبهار الحضور بطريقة إلقائه وإنشاده المؤثر الذي نال الاستحسان، وجه عبدالله خلف أمين عام رابطة الأدباء كلمة رحب فيها بالوفد الزائر وقرأ قصيدة للشاعر فاضل خلف يحيي بها أهل تونس وأشار الى العلاقات بين البلدين، كما شكر الكاتب الحبيب الجنحاني الرابطة واقترح مشاركة أقلام كويتية بإصدار كتاب من الثقافة في تونس كمشروع ثقافي مشترك بين تونس والكويت خصوصا بعد إهداء مجموعة من الكتّاب التونسيين أهل الكويت إصدارا يرصد أهم معالم الثقافة في الكويت·