قصيدتان
عبدالمنعم رمضان
تحت شرفة نهر النيل
السرير الذي خرجت منه
امتلأ بالحشرات
وقطعان الرمال
والقبور
والأجساد التي في الأعالي، التي في الظل
السرير إياه
امتلأ بشهيق الليل وزفيره
ولم ينم عليه أحد
لذلك أعمل بشقاء واستبسال
أعمل بخفة
واستمر في الهمس لنفسك
استمر في الغمغمة والتمتمة
أيها الكائن القديم جدا
تجسس على رجال الدين
وعلى القرويين
وعلى الآلهة الكبيرة
وابحث عن ترنيمة متفائلة
ابحث عن الصفات المتفردة لنهر أسود
احذر أن يظن الآخرون أنك موضع ثقة
وأنك تصغي إلى عظام الملوك
وهي تتململ
احذر أن تكون مثل نهر ذكر
محاط بالدخان والمشاعل وبذور الخيول الهائجة
كن ما تستطيعه وما تحلم به
حرم على أسماكك الدوران الطائش
حرم عليها السكون المائل
السكون على طريقة الفرعون
حرم عليها أيام الإنسان السبعة
اجعلها تلف حول نفسها
حيث لا يمكن للخرزة الذهبية أن تتدلى أبدا
من عنق مثل الوقت المقلوب
انتبه لأقدامك التي تكسر العشب
اتركها طويلا في اتجاه البرج
إذا أحسست البرد
املأ كوبك الفارغ من كوبك الملآن
أيها السوقي المقدس البذيء
أخرج يدك من ذاكرتي
أخرج الشهوات من المقدمة والاستهلاك
ولا تسمح للشهداء الواثقين أن يظلوا على الطريق
وقبل أن تهيم في السماء
أخرج خرطومك، الأطفال يفعلون ذلك
وارفع عن ظهرك الأحذية اللماعة التي تلبسها النجوم
فكل ما نعرفه عنك
أنك عار
وأن ثيابك الخضراء والبنية
عند أول جرف تتركها
أيها الطاغية الفاسد العجوز
لماذا اتكأت على إليتك التي من القش ومن أفخاذ العذراوات
ادخل كعاشق إلى بيوتنا
واترك عينيك أمام الباب
حتى نبصق فيهما
لاتمنح أصابعك لزوجاتك المولعات بك
وكي لا تجلس في البدروم
اغسل فمك بالذكريات التي نعرفها
وبالأصوات الخافتة
وبالغبطة
تمضمض كأن عروق صوتك احترست من الذوبان
وأثناء الندى البارد
تمضمض كأنك من المسافرين
صدفة
غير أنه لا أحد قادر على استقبالك
كيف تجسر أن تكون عيناك زرقاوين
بلون قميص السماء
ولون بشرتها
وهل يحق لنهر مثلك أن يشيح عن وجوهنا
أن يبتل صوته فقط عندما نموت
اسمع
إذا فكرت في العودة
خذ مخلاتك ونقودك ومعجون أسنانك وأصابعك
والمائدة التي أعدت للعشاء الأخير
وخذ الموت والحشرجة
وعصا واحد من أحفادك
خذ حروف الأبجدية والآثار التي تحت نهديها
خذ هذه القصيدة،
خذها
واترك عينيك أمام الباب
حتى نبصق فيهما
أيها الشيخ الضليل
تحت شرفة حسن طلب
منذ الرؤيا
منذ القرن الأول
منذ الوراقين
ومنذ الجاحظ
منذ أبي تمام
منذ حدائق طيبة
منذ عروس النيل
ومنذ استوقفني الحراس أمام الباب
ومنذ انتشر ظلام داخل قلبي
منذ خرجت على الإيقاع لأبحث عن إيقاع آخر
أبحث عن فاعلن فاعلن فاعلن
من تكون؟
أنت يا أيها القروي الذي يملأ الأرض
مثل طلائع جميزة لم يطأها الحنين
نحن لسنا نريد لك النوم فوق سماء من الطين
لسنا نريد لك الخوف من ظلك المتعلق بك
إنها ساحة
تتكاثر فيها ظلال الذين يخونون أنفســهم
والذين يخونهم الآخرون
فهل نستطيع إذا لم نجاهر بأحلامنا
أن ننام قليلا من الليل
أن نتسارر مثل المحبين والمفعمين
هل نستطيع إذا عاد بعد انتهاء وصاياه
سيد غبطتنا
القروي الذي قدماه على النهر تستسلمان
لغير الهدوء وغير الأنين
هل نستطيع التهرب من فاعلن واللجوء إلى
فعلن فعلن
منذ الرؤيا
منذ القرن الأول
منذ منازل حتشبستوت
ومنذ الوادي
منذ خزائن نهر النيل
ومنذ استوقفني الحرس أمام الباب