بقلم: عبدالله النيباري
قرار المحكمة الدستورية بشأن تفسير المادة 99 من الدستور بشأن ممارسة السؤال البرلماني، قرار في منتهى الخطورة من حيث إنه يؤدي الى نزع أسنان مجلس الأمة، وقد جاء هذا القرار بناء على طلب الحكومة بمذكرة تقدم بها نائب رئيس الوزراء وزير الدولة محمد شرار بتاريخ 7/2/2004 ضمنها طلب تفسير المادة 99 جاء فيها "أن الحكومة ترى عدم التزام رئيس الوزراء والوزير المختص بتقديم المستندات والبيانات التي يطلبها العضو، والاكتفاء بالإجابة الشفوية في الجلسة التي يحل فيها الدور على السؤال وللعضو أن يعلق مرة واحدة"·
وقد جاء قرار المحكمة الدستورية موافقا لرأي الحكومة كما جاء في مذكرتها بأن للوزير الحق في الرد على السؤال بما يراه مناسبا من دون إلزامه بتقديم مستندات أو أوراق أو وثائق مؤيدة أو مثبتة لصحة إجابته، وللمسؤول أن يجيب عن السؤال شفاهة، كما أضافت المحكمة من عندها عدم جواز طرح أسئلة تتعلق بالسياسة الخارجية والقضاء والأسرار الأمنية والعسكرية·
وقرار المحكمة هذا من شأنه أن يطفئ فاعلية السؤال البرلماني ويلغي أداة من أدوات المجلس الرقابية·
السؤال البرلماني كما قرره الدستور واللائحة الداخلية للمجلس هو حق للعضو لاستيضاح الأمور الداخلة في اختصاص الوزير بما في ذلك الاستفهام عن أمر يجهله والتحقق من حصول واقعة وصل علمها إليه·
ولنفترض أن سؤالا وجه الى أكثر من وزير عن الأوامر التغييرية في وزارته أو عن الحيازات الزراعية ومساحتها أو عن مكافآت للموظفين يشوبها عدم العدالة أو القسائم الصناعية أو صفقات الأسلحة، وكثير من هذه الأمور كان محل جدل وموضع بحث من لجان تحقيق، فكيف يمكن استيثاق العضو من المعلومات عن هذه الوثائق من دون بيانات مكتوبة؟!
وماذا لو اكتفى الوزير ببيان شفوي مقتضب لا يفي بالغرض؟ وكيف يستساغ تحويل السؤال الى استجواب ما دام العضو لا يملك بيانات مسنودة بوثائق رسمية؟ وكيف تتسع نصف الساعة المخصصة لمناقشة الأسئلة، لأن يقدم الوزراء إجابات شافية لمسائل مهمة مثل ما ذكرنا أعلاه؟ وإذا علمنا أن مجموع الوقت المخصص للأسئلة في الجلسات الأسبوعية لا يزيد عن 20 ساعة في السنة وفي النظام الجديد لا تخصص للأسئلة إلا 10 ساعات في السنة، ولو افترضنا أن كل عضو تقدم بعشرة أسئلة فإن نصيب السؤال وجواب الوزير عليه وتعقيب العضو دقيقة ونصف وحتى لو قلنا أن كل عضو لم يتقدم إلا بثلاثة أسئلة فسوف تكون المدة 4 دقائق·
فبالله هل يسمى ذلك ممارسة للرقابة البرلمانية، أم هو خنق للرقابة من خلال السؤال؟!
في البرلمانات الأخرى يتقدم الأعضاء بآلاف الأسئلة يجاب عنها كتابة، والمنطق يقول هذا هو الوضع السليم، وإلا كيف يحصل أعضاء برلمان يبلغ عددهم أكثر من ستمئة كالبرلمان البريطاني أو الفرنسي أو الألماني أو الإيطالي على إجابة، لو تقدم كل واحد منهم بثلاثة أسئلة في المعدل سنويا فقط، ألن يحتاج ذلك لتحويل جلسات البرلمان جميعها الى جلسات أسئلة وأجوبة، فهل هذا معقول؟! لذلك كانت الإجابات التي يحصل عليها أولئك مكتوبة، وهذا في بلاد فيها قوانين تضمن لكل مواطن حق الوصول الى المعلومات، وهي بلاد تنشر جميع المعلومات الرسمية على الإنترنت طازجة أسبوعيا، فيما الحال عندنا لا تتوافر المعلومات للنواب فما بالك للمواطن العادي؟! وأما المعلومات الرسمية فما يتوافر منها لا ينشر قبل مضي سنة ونصف فحتى هذه اللحظة رغم مضي ثلاثة أشهر على نهاية سنة 2004 لا توجد أي معلومات إحصائية عن تلك السنة·
فأمام هذا الواقع، كيف يمكن ممارسة الرقابة البرلمانية؟ أو المساهمة في التشريع إذ لا يستطيع العضو أن يمارسها دون توافر المعلومات والبيانات·
يقول البعض إن بإمكان العضو إذا لم يقتنع بالجواب أن يطلب تشكيل لجنة تحقيق أو الحصول على المعلومات من خلال اللجنة·
إن تشكيل لجنة تحقيق يتطلب قرارا من المجلس بموافقة الأغلبية، فما هو الحل إذا كانت المعارضة أقلية في اللجنة المختصة أو المجلس؟ وقد تكون عضوا واحدا أو بضعة أعضاء والدستور كفل لكل عضو حق توجيه السؤال والاستجواب حتى لو كان عضوا واحدا معارضا للحكومة·
إزاء ذلك يصبح قرار المحكمة الدستورية بموافقتها على طلب الحكومة، وإصدار قرار متفق مع رأيها بتحديد دور السؤال كأداة رقابة برلمانية قد تم تقييده والتضييق عليه الى أبعد الحدود، أي تحجيم للممارسة الديمقراطية ونزع أسلحتها الفعالة، ويخشى أن يأتي قرار المحكمة الدستورية بالاتجاه نفسه لقرارها بالنسبة الى الاستجواب وهو ما قد يجعل من الممارسة البرلمانية صورة وشكلا بلا مضمون أو فعالية·