رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 18 ربيع الاول 1426هـ - 27 أبريل 2005
العدد 1675

حركة "كفاية" تحولت إلى صداع في رأس النظام المصري
نظام يتآكل.. بين معارضة ضعيفة وحركة شعبية عاصفة

                          

 

·        "الإخوان" يؤيدون ترشيح مبارك أو نجله ثم يتراجعون

·         نظام مبارك يتحمل ضعف وجمود الحياة السياسية في مصر

·         المعارضة ليس أمامها سوى خيارين لا ثالث لهما

 

القاهرة - الطليعة - خاص:

"تبدو مصر كسفينة جانحة تبحر بلا خرائط ملاحية وسط أمواج عاصفة، نظام الحكم تتآكل شرعيته بصورة خطيرة، ويبدو عاجزا عن صياغه تصور يقنع الشوارع الغاضبة، وقد يبدو نظام الحكم كمن يستهلك وقتا حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، غير أن الغضب المتصاعد بمظاهرات الشوارع "والمبشر بمصر أخرى" لا يمتلك  - حتى الآن - تصورا له جسد سياسي عريض من تحالفات وبرامج قادرة على تغيير معادلات الحكم أو الإمساك به في لحظات التحول العاصفة، هكذا تبدو المعادلة، حكم تصلبت شرايينه السياسية، بما قد يعجزه عن الحركة المؤثرة، ومعارضة شعبية تتحرك بغرائز الغضب ودوافع الكراهية تجاه ما هو قائم، يأتي ذلك وسط تغييرات إقليمية ودولية وضغوط قوية أمريكية وغربية وعلى الأنظمة العربية وفي مقدمتها النظام المصري الذي يعاني من ضغوط دولية لدفعه للإسراع في عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي" هكذا وصف "الأستاذ" محمد حسنين هيكل الحال التي تمر بها مصر الآن·

 

وفي محاولة من النظام لمد أجله والخروج من حالة الغيبوبة الإكلينيكية التي أصيب بها جاء ما أسموه "بالمفاجأة" التي أحدثها الرئيس المصري حسني مبارك بإعلانه تعديل إحدى مواد الدستور المصري، ظنا منهم أن ذلك كفيل بإخراج النظام من أزمته·

وعلى الرغم من ترحيب المعارضة المصرية بهذه الخطوة، إلا أنها خلقت حالة من القلق والتردد لدى قوى المعارضة الرئيسية "الرسمية" وصلت أحيانا إلى حد التخبط وعدم القدرة على التعاطي مع الحدث حيث إن أكثر المتفائلين منهم لم يكن يتوقع أن يتم أى تعديل للدستور أو إحدى مواده بهذه السرعة والبساطة، أو على الأقل خلال هذا العام، عام الاستحقاق الرئاسي الذي سيتم فيه اختيار رئيس الجمهورية في أكتوبر المقبل·

 

التعديل الدستوري ودلالاته

 

يتيح تعديل المادة 76 من الدستور المصري، إمكانية اختيار الرئيس المصري من بين أكثر من مرشح بالانتخاب الحر المباشر، بعد أن ظل الأمر حكراً على شخص واحد يختاره مجلس الشعب ثم يطرح اسمه للاستفتاء الشعبي، لذا فقد ألغى هذا التعديل عمليا نظام الاستفتاء الذي ظل العمل به منذ وضع الدستور الحالي عام 1971·

ومن ناحية أخرى سعى التعديل إلى تغيير النظرة الشعبية لمؤسسة الرئاسة، وذلك بنزع وشاح القداسة عنها حيث بات الوصول إلى سدة الحكم في مصر وتبادل السلطة أمرا ممكنا بعد أن ظل لفترة طويلة حلما بعيد المنال، فقد وضع حدا لمسألة احتكار رئاسة الدولة من قبل طرف وحيد - على الأقل من الناحية النظرية - وأفسح المجال أمام إمكانية حدوث تغيير  - إن لم يكن الآن ففي القريب - وهو أمر كثيرا ما افتقدته الحياة السياسية المصرية· ولكن في المقابل يرى البعض أن هذا التعديل يراد منه تخفيف الضغوط الداخلية والخارجية التي تواجه النظام، والدليل على ذلك هو الحديث عن القيود والشروط التي تصل إلى حد تفريغ التعديل من محتواه، منها على سبيل المثال اشتراط أن يكون المرشح عضوا قياديا في أحد الأحزاب، وأن يكون قد مر على تأسيس الحزب برهة من الزمن مارس خلالها العمل السياسي، وكذلك أن يحصل أي مرشح للرئاسة على عدد من التوقيعات الشعبية "يروج البعض لأن تكون 100 ألف توقيع" فضلا عن ضرورة نيل تأييد عدد من أعضاء المجالس المنتخبة "مجلس الشعب ومجلس الشورى والمحليات" ما يقرب من 20% منها حسب التوقعات، وهو مايراه البعض شروطا صعبة في ظل احتكار الحزب الحاكم "الحزب الوطني الديمقراطي!" لأغلب المقاعد في تلك المجالس مما يقلل عمليا من فرص أي مرشح في منافسة مرشح الحزب الحاكم·

ورغم أن هذه الشروط والقيود لا تزال طور البحث والدراسة ومن المقرر أن يبت فيها مجلس الشعب المصري في أواخر شهر يونيو المقبل، فإن فحواها أثار القلق لدى العديد من أحزاب المعارضة والتخوف من أن تتحول هذه الانتخابات إلى مجرد استفتاء "مقنن" يعزز من الوضع القائم ويفرغ التعديل الدستوري من مضمونه، فيما يرى آخرون فيها محاولة تقنين عملية توريث السلطة - إن لم يكن في هذه المرحلة فليكن عبر مرحلة انتقالية - ونقلها من الأب الرئيس الحالي إلى النجل رئيس لجنة السياسات في الحزب الوطني "الحزب الحاكم"·

 

التعديل وردود فعل المعارضة

 

ليس غريبا أن أحزاب المعارضة "الرسمية" قد فوجئت بإقدام الرئيس مبارك على خطوة تعديل الدستور خصوصا في ظل التأكيد المسبق على "بطلان" الحديث عن مثل هذا التعديل، فضلا عن تيقن المعارضة من صعوبة إنجاز هذا التدعيل خلال الفترة المتبقية من الولاية الرابعة لحكم الرئيس مبارك والتي تنتهي بحلول شهر أكتوبر المقبل·

هذا بجانب أنه كان هناك "رضى" من هذه المعارضة "الرسمية" عن التمديد للرئيس مقابل تعهده بتعديل الدستور بعد التجديد له، وهو ما أفرزته جولات الحوار الدائرة بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة الرئيسية، إلا أن الإقدام على التعديل الدستوري في هذا التوقيت، قد أربك خيال المعارضة ودفعها إلي إعادة تقييم حساباتها من جديد، فجزء من الحلم قد تحقق، وعليها الاستعداد لمواجهة استحقاقاته·

ورغم ترحيب أحزاب المعارضة بالتعديل إلا أنها رأته تعديلا منقوصا من شأنه تشويه مطالبها للإصلاح الذي تنشده، وتبرهن المعارضة على ذلك بكون التعديل لم يمس مواد أخرى تمثل عائقا رئيسيا في وجه الإصلاح الحقيقي منها المادة 77 التي لا تضع مدة محددة لتولي الرئاسة وتتركها مفتوحة إلى الأبد، وكذلك المواد الخاصة بسلطات وصلاحيات رئيس الجمهورية والتي تقرب من %20 من مواد الدستور جميعها (هناك 35 مادة من أصل 139 مادة في الدستور المصري تعطي صلاحيات وسلطات لرئيس الجمهورية)·

ورغم ذلك فقد انبرت أحزاب المعارضة الرئىسية - الوفد، العربي الناصري، التجمع - لإعادة ترتيب أوراقها من جديد، وبحث كيفية الاستفادة من هذه الانفراجة الدستورية، وشاع الحديث عن احتمالات تأييد المعارضة لمرشح واحد في مواجهة مرشح الحزب الحاكم، ولكن سرعان ما حدث الخلاف وتباينت ردود الفعل بين هذه الأحزاب، وابتعدت بينها المسافات، فالحزب العربي الناصري وعلى لسان رئيسه ضياء الدين داود أعلن رفضه المشاركة في الانتخابات حتى لا يعطي الانتخابات شرعية قد تفيد مرشح الحزب الحاكم، رافضا أن يلعب دور "الكومبارس" في انتخابات معروفة نتيجتها سلفا على حد تعبيره·

أما حزب الوفد فيستعد لإعلان ترشيحه لرئيسه الدكتور نعمان جمعة لخوض انتخابات الرئاسة، بعد أن رفض في البداية التعديل الدستوري، وأعلن استنكاره له·

في حين رفض الدكتور رفعت السعيد رئيس حزب التجمع الحديث عن إمكانية ترشحه للانتخابات الرئاسية·

ويمكن القول إن حالة التخبط والتردد التي تسري بين أحزاب المعارضة المصرية تكشف إلى حد بعيد مدى الجمود والوهن الذي أصاب الحياة السياسية في مصر خلال فترة حكم الرئىس مبارك، فمن أحزاب تطالب بالإصلاح والتعديل وتضغط باتجاه إنجازه إلى أحزاب تقف عاجزة عن ممارسة دورها في إدارة المعركة السياسية مع الحزب الحاكم·

ولكن هناك قوى سياسية غير "رسمية" تريد أن تواصل ضغوطها من أجل تغيير حقيقي·

وقد عبر عن ذلك الدكتور حسن نافعة رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة القاهرة حيث صرح لشبكة الأخبار الأمريكية العالمية "ربما كل ما أراده مبارك هو مجرد تغييرات تجميلية إلا أن الناس تريد تحويل هذا التغيير التجميلي إلى تغيير حقيقي، وأعتقد أن الناس سوف تواصل ضغوطها لإحداث التغيير بينما سيعمل النظام كل ما في وسعه للتملص ومنع الناس والقوى الجديدة التي تمثلها من التظاهر والمطالبة بالإصلاح"·

ومن هذه القوى التي بزغت على الساحة "الحركة المصرية من أجل التغيير" المعروفة باسم "كفاية" والتي أصبح اسمها على كل لسان ناشط سياسي في العالم العربي، لقد جذبت أول مظاهرة نظمتها هذه الحركة في 12 ديسمبر الماضي اهتمام ونظر العالم أجمع وأكدت أنها شيء جديد تماما، ومنذ هذه المظاهرة وحوالي ست مظاهرات أخرى نظمتها الحركة يمكن القول إنها تحولت إلى صداع في رأس نظام الرئيس المصري حسني مبارك·

وترفض الحركة التمديد للرئيس مبارك وكذلك توريث الحكم إلى نجله "جمال مبارك" وتطالب بتعديل شامل للدستور المصري وإلغاء قانون الطوارىء والإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين في السجون المصرية (تقدرهم بعض التقارير بـ 16 ألف معتقل وتقارير أخرى بـ 25 ألفا) والغريب أن كلمة "كفاية" جاءت شعارا للحركة بالمصادفة البحتة، فأثناء ندوة نظمتها الحركة في سبتمبر الماضي، كانت هناك لافتة كتب عليها "كفاية ذل - كفاية فساد - كفاية نهب" وقد جذب هذا الشعار نشطاء الحركة وأصبحوا يستخدمونه في مظاهراتهم وأصبح الشعار على كل لسان لدرجة قيام صحف عالمية مثل الواشنطن بوست باستخدامه عنوانا لعدد من مقالاتها·

وهناك حركة الإخوان المسلمين وهي القوة الأكثر تنظيما في أوساط المعارضة المصرية· فبعد أن كانت الحركة تشارك ببعض عناصرها في نشاطات الحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية" فضلت الحركة "الإخوان المسلمين" أن تتحرك منفردة، وفي الأيام الأخيرة نظمت الحركة مظاهرة تطالب فيها بإلغاء حالة الطوارىء والإفراج عن المعتقلين، وهو ما فسره البعض بمحاولة الحركة لإثبات الوجود على أرض الواقع·

ولكن فوضى التصريحات المتناقضة في صفوف الحركة جعل البعض يتساءل ما الذي تريده حركة الإخوان المسلمين بالضبط؟

فالدكتور محمد حبيب نائب المرشد العام - مثلا - صرح لوكالة الأنباء الفرنسية بما نصه "الحركة ستؤيد ترشيح الرئيس مبارك أو نجله جمال مبارك لرئاسة الجمهورية إذا ما اتخذت إجراءات فعلية للإصلاح السياسي"· هذا التصريح المثير الذي تبنى التوريث وعدم الاعتراض عليه من حيث المبدأ، بدا مخالفا للشعارات التي رفعها الحزب في مظاهرته من رفض التمديد والتوريث، وأدى التصريح إلى ارتباك في صفوف قيادات الإخوان، وجرت مشادات حادة بينهم أدت إلى نفي التصريح المثير·

وتمضي التصريحات المتضاربة إلى ذروة الغرابة على لسان المرشد العام مهدي عاكف الذي صرح لـ "ريمجيو بيني" مدير الوكالة الإيطالية في القاهرة بأن "الجماعة أرسلت رسائل إلى النظام للحوار، غير أنهم لم يردوا علينا" وقال "نؤيد مبارك للترشيح بشروط أهمها: إلغاء الطوارىء ولجنة الأحزاب" ويرى بعض المراقبين أن هذا الغزل الواقع بين جماعة الإخوان المسلمين والنظام هو في الأساس من أجل الحصول على مكاسب آنية للجماعة·

 

خيارات المعارضة

 

ورغم مساوىء التعديل الدستوري التي قد تتضح أكثر بعد إقرار قيوده وشروطه، يظل على المعارضة أن تتعاطى معه كما هو باعتباره أمرا واقعا، فهو من الناحية العملية قد فتح الباب أمام إمكانية حدوث التغيير، وما يستتبع ذلك يقع إنجازه على عاتق المعارضة· ولكي تكسر المعارضة هذه المعادلة الصعبة عليها أن تختار بين أمرين لا ثالث لهما: الأول: الرضى بما حدث باعتباره أفضل  المتاح والتعاطي معه رغم محاذيره والاستفادة منه بأكبر قدر ممكن وذلك من خلال المساهمة في الانتخابات المقبلة، ولكن على أن تتفق المعارضة على صيغة موحدة لخوض هذه الانتخابات، وأنه من الأفضل أن يكون هناك ائتلاف معارض يتفق على مرشح واحد للمنافسة علي الرئاسة، وبذلك ستقطع الطريق على طرفين في المعادلة السياسية أولهما النظام الذي لن يستطيع أن يوقف هذا الزحف الجماهيري وإلا جاءته اللعنات من الخارج قبل الداخل وهو يدرك ذلك جيدا، والطرف الثاني: هو ذلك المتمثل في طالبي اللجوء والاستقواء بالخارج والذين يتسترون بعباءة الحرية والليبرالية ويخططون لتدشين ثورة "مخملية" في الشرق الأوسط، على غرار ما حدث في أوكرانيا وجورجيا من قبل·

أما الخيار الثاني: هو أن تعلن جميع أحزاب المعارضة، ودون صفقات أو تنازلات أو استثناءات مقاطعة الانتخابات الرئاسية المقبلة والمطالبة بتأجيلها وتأجيل الانتخابات التشريعية أيضا حتى تتم الاستجابة لتعديل بقية مواد الدستور ذات الصلة بالمعادلة السياسية، وتشرع في تدشين حملات دعائىة لحث الجماهير على عدم المشاركة في الانتخابات، وحينئذ سيزداد مأزق النظام ولن يصبح أمامه سوى الانصياع لإرادة الجماهير، وفي كلا الخيارين يمكن للمعارضة الاستفادة من الزخم الشعبي الذي حققته "الحركة المصرية من أجل التغيير" (كفاية) وهي التي تخطت في تأثيرها ما حققته المعارضة المصرية طيلة عقدين من الزمن من خلال صمودها ووضوح مطالبها·

 

مسؤولية النظام عن ضعف المعارضة

 

ويرى المراقبون أن نظام الرئىس مبارك يتحمل جزءا كبيرا من ضعف وجمود الحياة السياسية في مصر بوجه عام، كما يتحمل تفريغ المعارضة من مضمونها بوجه خاص، وذلك حين أصر على احتكار الحياة السياسية لمصلحته دون أدنى مشاركة حقيقية، فضلا عن حرمانه للأحزاب من ممارسة نشاطها المشروع في الدعاية والإعلان عن نفسها واستخدام وسائل الإعلام وعقد المؤتمرات الجماهيرية لشرح برامجها والحيلولة دون تنظيم التظاهرات السياسية ومنعها من التواصل مع الجماهير·

وتعيش مصر وضعا صعبا ساهم النظام في إفراز كثير من قسماته وذلك حين "أمم" الحياة السياسية لصالح حزبه، وجعل المثقفين والمسيسين يهرولون باتجاه "الحزب الوطني" من أجل الحصول على مكاسب وامتيازات يصعب على من هو خارج الحزب تحقيقها·

 

                               

طباعة  

مثقفون مصريون:
تعليق الحكم... وتمهيد الأرض لديمقراطية حقيقية

 
النظام يردُّ على القضاة المتمردين
 
أساتذة جامعة القاهرة:
لا للتدخل الأمني ... نعم للحرية والتغيير

 
عيون