
· أسلوب التعاطي مع القضايا الأسرية في المخافر يحجب أرقاما مهمة عن العنف
· ظاهرة المطلقات الصغيرات منتشرة في الكويت وأهم أسبابها عدم الوعي بالأدوار
· الجهات الاستشارية تعالج نتائج سوء مناهج التعليم ودور الاعلام
كتب مظفر عبدالله:
يندر الحديث بصراحة وعلمية عن القضايا الاجتماعية المؤثرة في حياة الأسرة بتفريعاتها المختلفة بدءا من علاقة الزوج بالزوجة، وعلاقة الوالدين بالأبناء، وعلاقة الأبناء ببعضهم، ونمط علاقة الأولاد مع البنات· وترجع أسباب هذا الاستحياء والخجل الى اعتبار مثل هذه الموضوعات من الخصوصيات التي يجب ألا يعرف أحد تفاصيلها، وعليه يلاحظ الحرص الشديد لدى قطاعات اجتماعية واسعة على حصر مناقشة قضاياهم الاجتماعية في نطاقات ضيقة يسيطر في الغالب عليها القرار الذكوري· في الوقت ذاته تكون هذه القضايا عرضة لتجريب حلول أو فرض رؤى ربما لا تكون ناجعة وغير مبنية على الخبرة والعلم الاجتماعي والنفسي الذي بلغ في يومنا هذا من التطور حداً نتج عنه انتشار بيوت خبرة للإصلاح الاجتماعي أو ما يعرف بالعيادات النفسية أو إدارات الاستشارة الأسرية سواء كان ذلك على المستوى الأهلي، أو الرسمي (الخدمات الحكومية)·
غياب الخبرة المعرفية
موضوع الطلاق في الكويت - وهو يتقاطع في ظواهره مع ما يحدث في دول خليجية أخرى بحكم التشابه الكبير في البيئة الاجتماعية - يعتبر موضوعا مقلقا ليس من زاوية الأرقام الكبيرة المتعلقة به، فالأرقام في نهاية الأمر تعبر عن نتائج، لكن الأهم معرفة أسبابها وهو لب الموضوع· ومن الواضح بالنسبة الى دولة الكويت أن هناك تجاهلا كبيرا لبرامج تأهيل الشباب ذكورا وإناثا لمؤسسة الزواج وخاصة في السنوات المتأخرة من مرحلة المراهقة (بين 17-20 سنة) وهي فترة وجود الشباب في السنوات الأخيرة من مرحلة الثانوية والأولى في كليات التعليم أو الوظيفة، حيث تبدأ المراحل الأولى لتكوين العلاقات الثنائية، ينتقلون فيها من جو اجتماعي غير مختلط الى بيئة مختلطة مع الجنس الآخر·
وتكاد تخلو المناهج الدراسية من أي برامج تدريبية تتحدث عن العلاقات الأسرية، وشرح دور كل من الرجل والمرأة بشكل متكافئ فيها، بل على العكس من ذلك نجد الانحراف الكبير في رسم صورة مؤطرة للمرأة التي يجب أن تكون صابرة ومدبرة منزل جيدة ومربية وساهرة على راحة زوجها وأبنائها، في مقابل إعطاء صورة مؤطرة أخرى للرجل الذي يختزل دوره في تدبير موارد استمرار الحياة· وهذه الصورة ربما كانت تعبر عن نمط علاقات قديم يرتبط بنمط اقتصادي وعلاقات إنتاج ما قبل النفط، أما اليوم فإن الأمر مختلف تماما، فالمرأة والرجل يعملان جنبا الى جنب في معظم إدارات الدولة (98596 موظفة من إجمالي عدد الموظفين الكويتيين وهو 262733 بحسب أرقام عام 2003) وينفقان على متطلبات المنزل والأبناء، هذا إضافة الى ترسيخ مبدأ عدم التمييز على أساس الجنس الذي أقر في دستور الدولة الذي هو أب جميع القوانين، لكن في الغالب لا تنعكس مثل هذه الحقائق على المناهج الدراسية التي يجب أن تغذي النشء في سن المراهقة للتدريب على مفهوم التوازن والتكامل والتفاعل بين الذكر والأنثى ونبذ النظرة المتعالية والتسلطية للذكر تجاه الأنثى·
ونتيجة لهذا الخلل تفصح الأرقام الواردة من مؤسسات الدولة عن خلل كبير في طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة والتي تتوج في يوم من الأيام بعلاقة زواج تنتهي الى مشكلة كبيرة وهي الطلاق·· ونقول الطلاق مع ربطها بجملة: (في مجتمع تقليدي وقبلي وعشائري··) له ثقافة محددة وواضحة تجاه المرأة·
وتوضح الأرقام الواردة من إدارة الاستشارات الأسرية التابعة لوزارة العدل والذي أنشئ كقسم في العام 1996 التزايد الطفيف لحالات الطلاق المتراكمة عاما بعد عام لكنها تبقى أرقاما كبيرة إذا ما قورنت بحالات الزواج المنعقدة لكل عام·
ففي العام 2000 عقد 7847 زواجا قابله 2737 طلاقا، وفي العام 2001 عقد 8677 زواجا قابله 2885 طلاقا، أما العام 2002 فقد عقد 9231 زواجا قابله 2968 طلاقا· (المجموعة الإحصائية - وزارة التخطيط 2003)·
الطلاق.. أرقام في ازدياد
ويتضح من ذلك التزايد الطفيف لمعدل الطلاق إذا نظرنا الى الموضوع من زاوية تراكمية لكل عام عما قبله، لكن الأمر يبدو خطيرا إذا نظر الى الرقم عاما بعام· وتصف مديرة إدارة الاستشارات الأسرية منى الصقر في حديث صحافي سابق أن هذا لا يعني أن لا خطر من الطلاق على المجتمع الكويتي أو أي مجتمع آخر سواء ارتفعت المعدلات فيه أو كانت ثابتة، وذلك لما له من آثار سلبية على أطراف العلاقة الزوجية وخاصة الأبناء·· (القبس 11/5/2005)· ففي العام 2004، وهو آخر عام يوفر إحصاءات حديثة بلغ عدد حالات الطلاق (الرجعي/المخالعة) 4351 حالة في طفرة كبيرة عن العام السابق 2003 التي كانت حالات الطلاق فيه 3997 حالة·
تحذير رسمي
وكان مدير إدارة التوثيقات الشرعية بوزارة العدل إبراهيم الطبطبائي قد أكد في تصريح صحافي سابق عن أن إجمالي حالات الطلاق الموثقة لدى الإدارة منذ عام 1996 حتى منتصف 2003 قد بلغت 25 ألفا و534 حالة طلاق· ودعا الى وضع حلول قانونية لمشكلة الزيادة المضطردة لنسب الطلاق في الكويت·
أرقام غائبة
ولا تنشر الجهات الرسمية (وزارات العدل والداخلية والشؤون الاجتماعية والعمل) إحصاءات دقيقة عن موضوع العنف ضد المرأة والذي يشمل العنف الجسدي واللفظي، وهي إحصاءات تساعد - لو توافرت - على دراسة أنجح لمسببات الطلاق في الكويت·
وكشفت دراسة تحليلية أجرتها منظمة العفو الدولية تحت عنوان (دول مجلس التعاون الخليجي: المرأة تستحق الاحترام والكرامة) نشرت في أبريل من هذا العام عن أن كثيرا من حالات العنف ضد المرأة في منطقة الخليج العربي يجري التفاوض والتراضي حولها في مخافر الشرطة قبل وصولها الى المحاكم وذلك بتدخل من أقسام الشرطة أو أفراد في العائلة بحجة الحفاظ على الأسرة والابتعاد عن التشهير، وتدفع النساء جراء هذه التقاليد والسلوكيات ثمنا كبيرا من هدر كرامتهن·
المطلقات الصغيرات
وعودة الى لغة الأرقام فإن بحوثا متعددة تؤكد ظاهرة جديرة بالاهتمام وهي لصيقة بموضوعنا وهو قلة الوعي الأسرى وتقدير دور المرأة في المجتمع، حيث تؤكد تلك الدراسات وأشهرها (مطلقات صغيرات في المجتمع الكويتي) للدكتور عبدالرؤوف الجرداوي وعبدالله غلوم الصالح، وطبقت على عينة من 300 زوج، أن حالات الطلاق تقع بنسبة كبيرة في شريحة المتزوجين مبكرا في الفئة العمرية من 20-25 سنة وهي فترة الانتهاء المبكرة من التعليم العالي والذي قلنا إن برامجه لا تعير اهتماما لتقوية الثقافة الأسرية لدى الشباب ذكورا وإناثا·
ومن أهم الأسباب السلوكية المؤدية للطلاق بحسب الدراسة السابقة: الضرب والسباب (39%)، والعلاقات النسائية (33%) الخمور والمخدرات (27%) وعدم تحمل المسؤولية (74%)·
ومع تزايد حالات الطلاق في المجتمع يجدر بالمؤسسات الرسمية والشعبية زيادة اهتمامها بالجوانب المتعلقة بالمحافظة على الأسرة ودعم البرامج الاجتماعية والتوعوية المتعلقة بها في المناهج الدراسية والوسائل الإعلامية في محاولة لفهم أعمق لدور الرجل والمرأة في الحياة العصرية·
