بقلم عبدالله النيباري
منذ الإعلان عن ترجل الأخ أحمد النفيسي عن رئاسة تحرير "الطليعة" تدفقت الرسائل المكتوبة والشفوية تلفونيا أو من خلال اللقاءات تثني وتأسف على تنحي أحمد وتبارك لي بتكليفي تحمل ما كان يتحمله من مهام، وتحت إلحاح الزملاء أود أن أبدي بعض ما دار بخاطري إبان ما يمكن تسميته التسليم والاستلام·
رغبة أحمد في التنحي كانت مفاجأة لنا جميعا لم نكن على استعداد لتقبلها، ولكن أمام الإصرار ما كان هنا بد إلا بالقبول، رغم شعورنا جميعا بصعوبة ملء الفراغ الذي سيتركه، ولكي لا نذهب بعيدا فتخلي أحمد هو فقط عن رئاسة التحرير وما تتطلبه من متابعات تفصيلية لكل عدد خاصة في أوضاع "الطليعة" التي بحكم الإمكانات لا يتوافر لها جهاز صحافي مهني متكامل بمستوى ما نرغب·
لكن أحمد النفيسي مازال عضوا أساسيا في بيت "الطليعة" بل سيبقى محتفظا برئاسة مجلس الإدارة·
عندما أتعرض للكتابة عن أحمد النفيسي أشعر بالحرج، فكأني أكتب عن نفسي ومداح نفسه كما يقال كذاب·
فالعلاقة والرفقة تمتد الى عقود من الزمن ففضلا عن علاقات أهل الفريج حسب التقاليد الكويتية، كانت علاقة الاتفاق في الفكر والتوجه ثم العمل المشترك في النشاط السياسي·
فمنذ أن تفتحنا على دنيا السياسة وجدنا أنفسنا ضمن تيار الإصلاح الوطني والتغيير الجذري على المستوى القومي العربي·
يصعب علي أن أميز محطات معينة فقد توالت حياتنا كعناصر في هذا التيار المتدفق الذي استغرقنا واحتوانا كأفراد وعائلات، وفي محاولة لتذكر بعض الأحداث، أستعيد مساهمتنا في جريدة "الجماهير" التي صدر منها ثلاثة أعداد فقط وكان ذلك في بداية عام 1961، كنت عائدا لتوي من الدراسة وأحمد طالب كان في إجازة والمرحوم سامي رئيس التحرير وكان يملك صيدلية، ولم تكن لـ "الجماهير" مكاتب، فكنا نجمع المقالات في صيدلية سامي ونطبعها عند الأستاذ إبراهيم المقهوي، والمقالات نتناقلها في جيوبنا، لكن "الجماهير" لم تستمر فصدر قرار إيقافها بعد ثلاثة أعداد، وكان السبب رسما بريشة الفنان أحمد النفيسي عبارة عن "نعال نجدية" تعبر الحدود ففسرت سياسيا بما يعكر صفو علاقات الكويت بجيرانها·
ومرت الأيام والسنون وعدنا جميعا من الدراسة في الخارج التي تخللها مساهمة نشطة في العمل الطلابي في الخارج فأحمد عضو مؤسس في اتحاد الطلاب الكويتيين وأنا مؤسس في التنظيم السابق على الاتحاد وهو رابطة الطلاب الكويتيين في القاهرة·
وعدنا لنشارك في إصدار "الطليعة" التي جاء صدورها ليواصل مسار الصحف التي كان يصدرها التيار الوطني في الكويت، مثل جريدة الفجر، والإيمان وصدى الإيمان والجماهير·
امتياز "الطليعة" صدر باسم المرحوم عبدالرزاق الخالد عام 1963 وبعده تحول الى الأخ سليمان أحمد الحداد الذي كان عضوا في مجلس الأمة الأول، وبعد استلام الأخ سليمان مهام رئاسة البنك العربي الإفريقي واستقالته من مجلس الأمة كلف الأخ المرحوم سامي المنيس بمهام رئيس التحرير وصاحب الامتياز، واستمرت بين الصدور والإيقاف الإداري، فهي أكثر جريدة تعرضت للإيقاف من قبل الحكومة·
لكن استمر الثلاثي سامي وعبدالله وأحمد بعد تخرجه كعمود فقري لـ "الطليعة" وتحت إشراف المعلم د· أحمد الخطيب ورفيقه جاسم القطامي·
ومن الأبواب الشيقة التي كانت تجذب القراء لـ "الطليعة" كان باب "حديث الدواوين" وهو عبارة عن تعليق عما يجري على لسان أعضاء الدواوين يتناول انتقاد الأحداث المحلية والمواقف السياسية وأحيانا الاجتماعية وكان هذا الباب يكتب بقلم أحمد النفيسي، وكان باب حديث الدواوين الموضوع الرئيسي في حديث كل ديوان·
استمر تولي سامي لرئاسة التحرير حتى عام 1985 عندما أصبح عضوا في مجلس الأمة الذي انتخب في ذلك العام وحل في عام 1986، وطرح سامي فكرة تخليه عن رئاسة التحرير بحكم كونه عضوا في مجلس الأمة فتقرر تكليف أحمد بالمهمة، ويبدو أن عشرين عاما كافية لشعور رئيس تحرير أي جريدة بضرورة الاستراحة كما حدث مع سامي، ربما بالصدفة، وأرجو أن لا ينطبق الأمر على حالي·
طيلة هذه المدة لم نفكر أن أحدنا رئيس تحرير، فكان العمل يجري وكانت رئاسة التحرير عملا جماعيا، ولكن بقدر ما كان سامي أكثرنا تميزا بالحس الشعبي كان أحمد الأكثر تميزا بالحس المهني، ولا أقصد الحرفنة الصحافية، وإنما التميز بالقدرة على التقاط ما هو الأهم في الحدث السياسي وكيفية المقاربة والمعالجة والعمق في التحليل ثم القدرة على التعبير بأسلوب رشيق وعبارات ومقاطع مسبوكة تجذب القارئ وتوفيه حقه في استيعاب الموضوع، وهي مهمة وقدرة لا يمتلكها إلا أصحاب المواهب، وأحمد ممن يمتلك هذه القدرة·
المشكلة التي كنا دائما نواجهها ويواجهها جهاز التحرير والمطبعة، هي حرص أحمد على التدقيق المرهق فيما يكتبه مما كان يرهق ويقلق المخرج والمسؤولين عن المطبعة خوف تأخر صدور العدد، مقالات أحمد في "الطليعة" نعود لها كمراجع، ومن أهمها ملاحقة ومتابعة قضايا الفساد ومنها الاستثمارات والناقلات والتعدي على أملاك الدولة العقارية والخراب الذي يعشعش في أجهزة الدولة·
لهذا عندما فاجأنا أحمد برغبته في التخلي وتكليفي بتحمل المسؤولية وجدت نفسي إزاء عبء ثقيل وفراغ يصعب سده، فأنا لا أملك قدرات أحمد المهنية والفنية والكتابية، ومساهمتي في الصحافة كانت بحكم الاضطرار لا بممارسة الاختيار، ومن مدخل السياسة لا اختصاص الصحافة، البداية كانت في المساهمة في إصدار مجلة الاتحاد باسم رابطة طلاب الكويت بعد أن أقنعنا الأستاذ عبدالله زكريا الأنصاري بأن يسلمنا إدارة وإصدار مجلة "البعثة" التي كانت تصدر برئاسته وقبلها برئاسة الأستاذ عبدالعزيز حسين من بيت الطلاب الكويتيين في القاهرة، وفي موجة الحماس طلبنا من الأستاذ عبدالله زكريا أن يسلمنا مجلة "البعثة" ويسمح لنا بتحويل اسمها الى "الاتحاد" التي ما زال يصدرها اتحاد طلاب الكويت·
وكانت أول لجنة تحرير تتألف من بدر العجيل ومحمد مساعد الصالح وعبداللطيف الحمد ويوسف محمد الرشيد البدر وكاتب هذه السطور ومن يومها وأنا مبتلى بالصحافة ولست منها بحكم الاختصاص، كلما عدنا الى الكويت بالإجازات حملت مهمة المشاركة في التحرير، كان ذلك في صدى الإيمان ثم الجماهير ثم "الطليعة" لكن كل ذلك بالاضطرار والانصياع لما يطلب مني، لم أكن بعيدا عن المساهمة في التحرير والإشراف، مما أشعرني بالمفاجأة عندما يبارك لي أحد برئاسة التحرير، لكنني لم أكن وما زلت من غير أصحاب الاختصاص المهني والحرفي، وأكرر أرجو أن يكون ذلك مرحلة انتقالية مؤقتة وأرجو أن تصدقني عزيزي القارئ بأن ما قاله أحمد النفيسي بأنه سلم المهمة لمن هو أكفأ منه صديقه ورفيق دربه عبدالله النيباري غير صحيح على الإطلاق وأحلف أيمانا على ذلك، إلا أنها الرفقة والصداقة التي ستبقى ما بقينا ولكن رغم وجود أحمد بيننا فسوف نفتقد حالة الطوارئ الاثنين والثلاثاء عندما يشمر أبو بدر عن ساعده ويشحذ ذهنه ويطلق قلمه ليثري "الطليعة"·
أخي أحمد "الطليعة" ستبقى بحاجة إليك لكي يبقى طعمها ومذاقها كما تعودها قراؤها·
* * *
.. ومـعـصــومـة مبـارك
لم أكن أشك لحظة منذ إعلان توزير الدكتورة معصومة وتكليفها بتولي وزارة التخطيط والشؤون الإدارية بأنها ستشق طريقها متجاوزة كل ما يثار أمامها وفي وجهها من عقبات· مؤسف حقا أن يلجأ البعض للمماحكات والمناورات التي ليست أكثر من عبث لا طائل من ورائه، وإن عبرت عن شيء فإنما تعبر عن خواء فكري وبعد عن الواقع وتخلف عن العصر وعدم إدراك ما حققته البشرية من تطور وعلى الأخص في مجال حقوق الإنسان وبالذات في ميدان حقوق المرأة· الادعاء بالموانع الشرعية ثبت عدم صحته والتذرع بالاعتراضات الدستورية تأكد بطلانها، والتحجج بالتقاليد الاجتماعية انهارت صدقيتها، واقتحمت معصومة ممثلة لإقدام المرأة الكويتية وتقدمها لممارسة حقوقها وتولي المساهمة في أعلى المؤسسات القيادية في الدولة·
ليت هؤلاء لمسوا صدى ما حققته المرأة الكويتية وما تحقق لها من إنجاز في دول الجوار وفي العمق العربي بل العالمي·
على المستوى الشخصي تلقيت التهاني والتبريكات من الأصدقاء والأحبة والمهمومين بقضية التغيير الاجتماعي والإصلاح السياسي في دول الخليج العربي الشقيقة وعلى الأخص من المملكة العربية السعودية وفي مؤتمر أتيح لي أن أحضره في القاهرة كان أول ما يبادرنا به الإخوة المشاركون من كل الأقطار العربية هو تقديم التهنئة والمباركة بما نالته المرأة الكويتية واختيار أول وزيرة امرأة في الحكومة، إذا كان الإحساس بأهمية هذا الحدث التاريخي والمنعطف المهم قد خالج أبناء الأقطار العربية والأجنبية، فكيف لا يشعر بأهميته هؤلاء المعارضون المماحكون والمتذرعون بالحجج المتهاوية؟!
مبروك معصومة دخولك الوزارة واقتحامك لقاعة عبدالله السالم دون أن ينهار سقفها وتتهاوى جدرانها، فأنت رمز لانتصار المرأة الكويتية على أعدائها أعداء حقوق الإنسان وخصوم التقدم والإصلاح·