
· صراع محموم بين الحرسين القديم والجديد في "الوطني"
· البلطجة والعنف في المرحلة الثانية يوضحان مأزق النظام
كتب باسل محمد:
عكست المرحلة الثانية من الانتخابات التشريعية التي شهدتها تسع محافظات مصرية، صورة مؤلمة توقع حدوثها الكثير من المراقبين، ولكن لم يكن ينتظر أكثر المتابعين تشاؤما أن تصل أعمال العنف والبلطجة في أثناء سير العملية الانتخابية الى حد سقوط قتلى وجرحى وهو مؤشر خطير على عدم قيام أجهزة الأمن بمهامها في توفير الأجواء الآمنة التي تضمن تحقيق الحياد وتكافؤ الفرص بين المرشحين·
ويرى المراقبون أن عمليات البلطجة والترهيب وتحطيم السيارات والمتاجر التي اتسمت بها انتخابات المرحلة الثانية تمثل ضربة قاصمة لمناخ الديمقراطية، كما أن هذه الأحداث توضح مدى المأزق الذي يعاني منه الحزب الوطني الحاكم في مصر حيث أثبتت نتائج المرحلة الأولى من الانتخابات أنه لا مستقبل لهذا الحزب في ظل انتخابات ديمقراطية نزيهة·
وقد ألقت قيادات سياسية من داخل الحزب الوطني وخارجه مسؤولية فشل مرشحي الحزب الحاكم، على التدهور العام الذي أدت إليه سياسات الحزب الوطني وأمانة السياسات بالحزب طوال السنوات الأخيرة، وكشفت مصادر حزبية عن وجود اعتقاد بأن الصراع داخل الحزب الوطني بين الحرس القديم ومجموعة الجيل الجديد أفقد المواطنين الثقة في قدرة الفريقين على تحقيق أي إصلاح حقيقي· ويرى مسؤول أمني أن غالبية المواطنين اتجهوا للتصويت لصالح المستقلين وعلى رأسهم مرشحو جماعة الإخوان المسلمين لسببين، الأول فشل الحزب الوطني في تحقيق ما وعد به من توفير لفرص العمل وزيادة الأجور واحترام آدمية المواطن، والثاني يتعلق بجمود الحياة السياسية الحزبية، ووضع منظومة الحكم للعراقيل أمام نشاط الأحزاب الشرعية خاصة في الجامعات والمواقع الجماهيرية· وقد أرجعت قيادات سياسية من خارج الحزب الوطني السبب في تدهور حالة الحزب الى تزايد الصراعات داخله، والى اختياراته الفاشلة لمرشحيه غير المرغوب فيهم، وترى هذه القيادات أن البعض داخل الحزب الوطني وأمانة السياسات، ربما كان يخطط لتحويل الديمقراطية من حلم الى كابوس، وذلك بأن يسمح بنجاح جانب من مرشحي جماعة الإخوان، لإخافة الأحزاب السياسية الشرعية، ولإخافة القوى الديمقراطية، ولإخافة الأقباط والأمريكان وأوروبا، من أجل وقف الأصوات الداخلية والخارجية المطالبة بالإصلاح وإلغاء حالة الطوارئ وإطلاق الحريات العامة للمواطنين·
ويؤكد هذا السيناريو ما تقوله بعض المصادر داخل الحزب الوطني عن وجود مغازلة بين بعض قيادات الحزب وجماعة الإخوان منذ سنوات عدة، لكن يبدو أن الزمام قد فلت، وبدلا من نجاح خمسة أو عشرة مرشحين للجماعة في المرحلتين الأولى والثانية، وصل العدد الى أكثر من خمسة وأربعين نائبا· وقد شهدت أروقة الحزب الحاكم وأمانة السياسات التي يرأسها جمال مبارك، خلافات وتبادل اتهامات، بعد فشل نحو 1400 من مرشحي الحزب ومجموعة "الجيل الجديد" في الفوز في المرحلتين الأولى والثانية من الذين اختارهم المجمع الانتخابي، وتتهم قيادات داخل الحزب الوطني بالمحافظات الأمانة العامة للحزب بالجمود من ناحية وبالانشغال بالصراعات الداخلية بين الحرس القديم والحرس الجديد، وهو ما انعكس على اختيارات مرشحي الحزب في المجمع الانتخابي، وعلى طبيعة البرنامج الانتخابي، الذي لم يخرج عن الوعود والبرامج النظرية البعيدة عن مطالب الغالبية العظمى من المواطنين ومشاكلهم·

تزوير فاضح في دائرة مصطفى الفقي
شهادة المستشارة نهى الزيني نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية حول انتخابات دائرة دمنهور والتي كان يتنافس بها الدكتور مصطفى الفقي أحد رموز الحزب الوطني في مواجهة الدكتور جمال حشمت مرشح جماعة الإخوان المسلمين، قد أحدثت ردود فعل واسعة في الشارع المصري، في الوقت الذي أيد فيه 137 قاضيا ورؤساء لجان فرعية من الذين شاركوا في الإشراف على 160 لجنة فرعية، هي مجموعة لجان دائرة دمنهور، المستشارة نهى فيما أعلنته في شهادتها عن حدوث تزوير في نتائج الاقتراع لمصلحة مرشح الحزب الوطني·
وقد كانت المستشارة نهى قالت في رسالة نشرتها يوم الخميس الماضي جريدة المصري اليوم "أن المؤشرات شبه النهائية لنتائج عمليات الفرز في دائرة دمنهور تدل على أن مرشح الإخوان المسلمين جمال حشمت حصل على 8606 أصوات على أقل تقدير، بينما حصل مصطفى الفقي على 24611 صوتا على أقصى تقدير·
وأضافت الزيني أنها انصرفت من مقر اللجنة العامة للانتخابات، حيث تجري عمليات جمع نتائج فرز صناديق الاقتراع بعد الانتهاء من تسليم كل نتائج الفرز، وأوضحت أن الحديث بعد الانتهاء من عملية جمع الأصوات كان في مجمله يدور حول تقدم المرشح جمال حشمت·
وقد أعلن المستشار محمود الخضري رئيس نادي قضاة الأسكندرية تقرير تقصي الحقائق حول وقائع التزوير بالدائرة، والذي تم رفعه الى المستشار محمود أبو الليل وزير العدل رئيس اللجنة العليا للانتخابات والمستشار ماهر عبدالواحد النائب العام، والذي يكشف بالمستندات والأدلة أن الفقي حصل على 8606 أصوات مقابل 24611 صوتا لحشمت، وهو ما يعني أن النتيجة المعلنة بفوز الفقي بمقعد الفئات مخالفة للنتائج التي أعلنها القضاة داخل اللجان الفرعية، وقال الخضري، إن شهادة المستشارة نهى الزيني تتسق مع ما انتهى إليه تقرير تقصي الحقائق، موضحا أنها كانت من بين المصادر الموثقة بالمعلومات والأرقام اللازمة·
نادي القضاة يطالب بتدخل القوات المسلحة
طالب نادي قضاة مصر، في خطوة غير مسبوقة وفي تصعيد خطير قد يثير ردود فعل حكومية عنيفة، بالاستعانة بالقوات المسلحة لتأمين العملية الانتخابية، وذلك تطبيقا لإحدى مواد قانون مباشرة الحقوق السياسية، وهو ما يعني أن القضاة قد سحبوا الثقة من أجهزة الأمن التابعة لوزارة الداخلية، وفي قدرتها على حماية القضاة وضمان إجراء الانتخابات بشكل نزيه وحر·
وجاء هذا في البيان الصادر عن نادي القضاة يوم الثلاثاء الماضي، وتضمن أيضا مطالب عدة من أجل ضمان سلامة الناخبين وحفظ نزاهة العملية الانتخابية، أبرزها أن يتم إلغاء الانتخابات في الدوائر التي يقع فيها تعد على إحدى لجانها الفرعية أو إتلاف صناديقها ولا يكتفي بإلغاء هذه الصناديق فقط لأن الاعتداء على رئيس لجنة أو انتزاع صندوق دليل قاطع على انعدام حرية الناخبين في كل اللجان·
وطالب البيان بتوفير عدد كاف من القضاة لمراقبة النطاق الخارجي للجان الفرعية لكفالة حرية الناخبين ولمراقبة أعمال البلطجة، على أن يوكل الى القضاة الصلاحيات المنوط بها حفظ النظام·
وطالب البيان بإعطاء المرشحين الحق في حضور الفرز أو أحد مندوبيهم حتى إعلان النتائج تحقيقا لمبدأ العلانية مع إعلان نتيجة كل صندوق على حدة وأن يحتفظ كل رئيس لجنة فرعية بنسخة من محضر الفرز·
كما طالب نادي القضاة بضرورة السماح لأعضاء المجتمع المدني بحضور أعمال الفرز وإعلان النتيجة النهائية من جانب رئيس اللجنة العامة تحقيقا لمبدأ الشفافية ومشاركة المجتمع المدني في الحفاظ على نزاهة الانتخابات والمراقبة·
وقد توقعت مصادر قضائية أن يتسبب هذا البيان والمواقف المتشددة من جانب نادي القضاة وضغوطهم المتتالية فيما يخص قانون السلطة القضائية في تصعيد التوتر بينهم وبين الدولة وسيزيد من مساعي الدولة لإحداث تغيير في هيكل مجلس إدارة النادي في الانتخابات المقرر عقدها نهاية العام الحالي، وتقديم كل أشكال الدعم لقائمة المستشار مقبل شاكر للفوز في انتخابات النادي وإنهاء سيطرة مجموعة المستشار الحالي زكريا عبدالعزيز التي وضعت النظام في عدد من المواقف المحرجة في السنوات الأخيرة·
وقد أثار طلب القضاة بتدخل القوات المسلحة لحفظ الأمن وتأمين سلامة القضاة جدلا كبيرا بين الحقوقين المصريين ومنظمات المجتمع المدني، وأبدى حقوقيون بارزون تخوفهم من أن تدخل الجيش لحفظ الأمن في الانتخابات، يفتح الباب لتدخلات أخرى وصفوها بالخطيرة، محذرين مما أسموه توريط القوات المسلحة في صراعات سياسية·
بينما رأى فريق آخر أن تدخل الجيش هو الأمل الوحيد الباقي في حفظ الأمن بعدما اعتبروه تورطا لجهاز الشرطة وتواطؤ لصالح مرشحي الحزب الوطني·