الدين في المدارس
رمز كاتب هذه السطور الجريئة لنفسه بكلمة (ابن الحياة) وقد كتبها في مجلة الرائد في عددها الخامس الصادر في يونيو 1952·
وملخصها كما يؤكد الكاتب مزايدة بعض المتحمسين دينيا وهم من خارج الحقل التربوي على القائمين على أمور التربية والتعليم في إدارة المعارف آنذاك حيث يطالبون بزيادة جرعة الدروس الدينية في المدارس·
ويؤكد كاتب السطور أن هذه الدعوات لا ترمي كلها الى (الخير والرشاد)·· فكيف يكون ذلك؟
المعد
تتردد في هذه الأيام أصوات جاهرة متكررة تطالب إدارة المعارف بزيادة مقررات الدين في المدارس، تقوية للروح الدينية بين الشباب، وهذه الأصوات ليست كلها ترمي الى الخير والرشاد، فإن من بينها من يستغل الحماسة الدينية لغاية في نفسه، ولكي يحرج أعضاء المعارف أمام الجماهير، والدليل على ذلك لا يخفي على المتأمل البصير، فإن إدارة المعارف موجودة منذ سنين طويلة - ولم تعرف في تاريخها كله شيئا يشبه هذه الدعوات، فهل معنى ذلك أن الدين لم يكن له أثر في النفوس قبل هذه السنة؟ أو أن إدارة المعارف كانت في عهودها السابقة متدينة جدا ثم خرجت على الدين والعياذ بالله؟ لا هذا ولا ذاك، والتعليل القريب من الصحة لهذه الحملات المتكررة على مجلس المعارف باسم الدين، هو إن بعض النفوس المريضة قد اصطنعتها اصطناعا لتصل بها الى أغراضها اللئيمة، فانخدع بها قوم مخلصون ظنوها خالصة لوجه الله!
ونحن قد نتساهل ونغض الطرف عن كل شيء، ولكن إقحام الدين في الحزازات الشخصية، واتخاذه وسيلة للإيذاء والإحراج وكسب البطولات الزائفة لا يسكت عليه إلا من ليس في قلبه ذرة من الإيمان· لأنه من الأشياء التي يبرز منها الدين·
أما مقررات الدين في المدارس فلا نشك مطلقا بأنها أضخم وأخصب مما كانت في عصر مضى، وكذلك الأساتذة الذين يدرسون الدين فهم أكثر كفاءة وخبرة ممن سبقهم، وكاتب هذه السطور كان تلميذا منذ سنين، أيام كانت دروس الدين تعلق على الهامش من منهج المدرسة!! وكانت مقررات الدين لا تخرج عن حفظ آيات معدودة مع شيء من العبادات لا يغني، وكان المدرسون على جهل كبير بأساليب التربية والتعليم، وزيادة على ذلك أن درس الدين كان يمتلئ بالأسئلة الباردة التي يشغل بها التلاميذ مدرسهم ومع هذا كله لم يتحرك أحد بصورة جدية للدفاع عن حرمة الدين·
أما الآن فأقول - والله شهيد على ما أقول - بأن منهج الدين في المدارس - وأنا أتكلم عن المدارس الابتدائية - قوي جدا لا يقدر التلميذ الصغير على هضم أكثر منه، فهو يفرض على التلميذ حفظ أجزاء كاملة من القرآن الكريم في بعض الفصول وحفظ آيات طويلة في فصول أخرى مع تفسيرها كما يفرض عليه استظهار عدد من الأحاديث النبوية المختارة، هذا الى دراسة شاملة للعبادات والمعاملات والأخلاق الإسلامية·
أفبعد هذا كله يقال إن منهج الدين هزيل؟ وكيف عرف أولئك السادة أنه كما يزعمون؟ هل أطلعوا عليه؟ أم درسوه وخبروه! وما قيمة آرائهم فيه وهم ليسوا من أرباب التربية ورجال التعليم؟
إن منهج الدين قوي جدا في المدارس وليس في حاجة الى تعزيز وتقوية بل العيب في التربية الدينية، وهي بطبيعة الحال تختلف عن الدراسة الدينية، لأن الأولى أخلاق وعادات ومعاملات! أما الأخرى فهي علم ومادة وأستاذ! والدراسة الدينية من شأن المدرسة أما التربية الدينية فهي عامة تشمل المدرسة والبيت والشارع والسوق! فضعف التربية الدينية بين التلاميذ صادر عن ضعفها في المجتمع كله أو في الحياة الاجتماعية التي تحياها، ومن يجرؤ على القول بأن حياتنا الاجتماعية إسلامية محضة؟ كلا! إن ظاهرها الإسلام أما باطنها فالعادات والتقاليد، ولو كنا نسير على نهج إسلامي بحت في حياتنا العامة، لاستقرت روح الإسلام في نفوس أبنائنا وبناتنا بالعادة والتلقين، كما هو شأنهم مع تقاليدنا وعاداتنا، فأبناؤنا صور مصغرة لنا وضعف تربيتهم الدينية يرجع أكثره الى ضعف تربيتنا نحن على العموم، ولا يكابر في ذلك إلا المعاند·
فالتربية الدينية ليست ضعيفة في المدارس فحسب بل هي ضعيفة في مجتمعنا كله، والمدرسة جزء من المجتمع وصلاحها الخلقي والديني مقرون بصلاحه، فعلينا إذن أن ننحي باللائمة على أنفسنا قبل أن نلوم أبناءنا وقديما قال المعري:
وينشأ ناشئ الفتيان منا
على ما كان عوّده أبوه!
لقد خالفنا في حياتنا اليومية كتاب الله وسنة نبيه، وسايرنا تقاليد وعادات ما أنزل الله بها من سلطان، فأصبحت دائرة الدين عندنا مقصورة على العبادات فقط، وقد نتساهل في تأديتها أحيانا ونتظاهر بها رثاء للناس، أما المعاملات والأخلاق التي يفرضها علينا الدين الإسلامي الحنيف فقلما نحافظ عليها، ونقوم بها على الوجه المطلوب مع أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، إكبارا منه للأخلاق الفاضلة، ويقول: الدين المعاملة، مبالغة منه في شأن المعاملات·
ومن الخطأ الفاحش أن تحصر الحماسة للدين في ناحية دون أخرى، لأن الدين الإسلامي نظام اجتماعي شامل للحياة، وعظمته كامنة في شموله وعمومه، فالتفريط في مطلب من مطالبه انتقاص له وتهجم على شريعته البيضاء·
وحماستنا للعبادات فقط دون المعاملات والأخلاق شاهد على ضعف تربيتنا الدينية·
والسبب في ذلك أن المعاملات التي يسنها الإسلام والأخلاق التي يبشر بها تكلفنا تضحيات جساما فهي تتطلب منا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل مكان ولدى كل ديوان وتلك أمور لا يقوى عليها إلا أولو العزم والإيمان الثابت· ونحن قوم قد تشربت نفوسنا بحب الحياة ودرجنا على النفاق والمداجاة، ولهذا، تجدنا نتحمس للدين ما دام لا يتعارض مع أعراض الدنيا ونتنكر له حين يتنكر لها والشواهد على ذلك لا تعد ولا تحصى·
وإذا ضعفت التربية الدينية في المجتمع كله فغير معقول أن تقوى في مدرسة، فالتلميذ ليس عجينة في يد المدرسة تشكله كيف تشاء، بل كائن حي يتأثر في كل ما حوله، على أن المدرسة تستطيع في حدودها الضيقة، أن تفعل شيئا وذلك بإحالة جزء من الدروس الدينية الى تربية دينية تحبب إليهم روح الدين وتقربهم منه كأن يقسم التلاميذ الى فرق، ويعين لهم لك أسبوع زيارة للمسجد مرة أو مرتين، فيؤدون الفريضة ويستمعون الى وعظ يسير مبسط يمكنهم إدراكه، على أن يعهد بذلك الى الثقات الأفاضل من رجال الوعظ والإرشاد·
أما زيادة مقررات الدين على ما هي عليه فخطأ تربوي كبير لا يدرك أثره إلا رجال التربية والتعليم، لأن إلزام التلميذ في الامتحان بمقررات لا يستطيع فهمها وهضمها سيدفعه الى الرسوب فيها وربما تكرر هذا الرسوب فأدى الى بقائه في فصله سنة أو سنتين، فتنشأ من جراء ذلك عقدة في نفسه ضد الدين ودراسة الدين كما هي الحال في الدروس الأخرى، ولا نظن أن مسلما مؤمنا يرضى أن تنشأ في نفس ابنه أو ابنته عقدة ضد الدين!
وبعد فلقد كتبت هذا الموضوع على عجل وكان بودي لو اتسع لي الوقت فأعالجه بصورة أخرى· وأرجو أن أوفق في القريب الى الحديث عنه وعلى الله الاتكال·
ابن الحياة