رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 29 نوفمبر 2006
العدد 1752

سورية المتهم الغافل بموت الجميل!

 

 

جوناثان كوك - * الناصرة:

المعلقون وكتاب الأعمدة متفقون على أن اغتيال "بيير الجميل" لابد أن يكون من صنع سورية، لأن حزبه (الكتائب) كان لزمن طويل حليفاً لإسرائيل، ولأنه، بوصفه وزيراً للصناعة، كان أحد الشخصيات البارزة في عصبة الحكومة اللبنانية المناوئة لسورية، والرئيس الأمريكي بوش يعتقد هذا أيضا، وهكذا تمت تسوية القضية كما يبدو·

أنا لا أدعي، مثلما يدعي زملائي، بأنني أعرف من قتل "الجميل"· ربما تكون سورية وراء إطلاق الرصاص عليه، أو ربما أحد ما في النظام السياسي اللبناني المجزأ والحافل بالمكائد، ذو ضغينة ضد "الجميل"، حتى من داخل حزبه، ضغط على الزناد، أو ربما حركت إسرائيل مرة أخرى ذراعها الطويلة في لبنان·

ولكن هذه الإمكانية الأخيرة كما يبدو لا يمكن التفكير فيها في مجتمع مهذب، إذن دعوني أقدم بضع أفكار غير مهذبة·

مثلما يعرف أي شخص يشاهد مسلسلات الجرائم التلفازية، حين لا تكون هنالك أدلة مادية كافية في تحقيق جنائي، يفحص المخبرون السريون دوافع الأطراف المستفيدة من الجريمة، ويقدر أفضل المخبرين أيضا ما إذا لم يكن المتهم الأول، الشخص الذي يبدو للوهلة الأولى الطرف المتهم، قد تم تحويله في الحقيقة الى متهم مغفل على يد طرف من الأطراف الأخرى، فقد يكون القاتل هو الشخص المستفيد استفادة واضحة وجلية من الجريمة، أو قد يكون القاتل هو الذي يستفيد من كون المتهم الأول قد أشارت اليه أصابع الاتهام·

الشكوك أحاطت تلقائيا، كما استنبط معظم السياسيين ومعلقي وسائط الإعلام عندنا، بسورية، لأن الكتائبيين هم أحدأعداء سورية الرئيسيين في لبنان، فهم كنتيجة لهذا العداء، وفي جانب منه عارضوا المحاولات الأخيرة لحليف سورية الرئيسي في لبنان (حزب الله)، للفوز بنصيب أعظم من السلطة السياسية· وهم أيضا، ويبدو أن هذا ما يبدو مفروغا منه لدى معظم المراقبين، جزء من أغلبية حكومة فؤاد السنيورة الموالية للأمريكيين التي تساند محكمة الأمم المتحدة لمحاكمة قتلة رفيق الحريري، السياسي المناوىء لسورية وزعيم الطائفة السنية المسلمة، الذي قتل في تفجير سيارة قبل أكثر من سنة ونصف·

وبعد انسحاب الوزراء الشيعة الستة من حكومة السنيورة قبل أسبوعين، والآن مع اغتيال الجميل، صارت الحكومة قريبة من الانهيار، ومعها المحكمة التي يتوقع الجميع أن تزج سورية في مقتل الحريري· فإذا استطاعت سورية "قتل" وزيرين آخرين في الحكومة، وتفقد الحكومة النصاب القانوني، فستنجو سورية من الصنارة، أو هكذا يسير منطق المراقبين الغربيين·

ولكن هل تجعل هذه "الأدلة" سورية المتهم الأول أو المتهم المغفل؟ كيف سيؤثر القتل على مصالح سورية الأوسع، وماذا عن مصالح إسرائيل في موت "الجميل" أو مصالحها بالأحرى، من وراء إلقاء اللوم في مقتله على حزب الله وسورية؟

إسرائيل في الحقيقة ستستفيد بطرق عديدة من التوتر الذي يحرض عليه الاغتيال كما تبرهن التحشدات الشعبية الغاضبة في بيروت ضد سورية وحزب الله، وهذه هي الأسباب: 

·    أولا: وهو الأشد وضوحا، أجبر حزب الله فجأة، بوصفه صديق سورية الرئيسي سياسيا وعسكريا في لبنان، على التراجع خطوة بعد أن كان يتعاظم نفوذه بعد انتصاره في صموده أمام الهجوم الإسرائيلي على لبنان في الصيف الماضي، وإيقاعه الهزيمة المنكرة بقوة غزو حاولت احتلال جنوبي البلد·

وتصاعدت شعبية ومصداقية حزب الله تصاعدا جعل زعماء الطائفة الشيعية يأملون تجسيد هذا النجاح محليا بالمطالبة بالمزيد من السلطة، وهذا أحد الأسباب وراء خروج الوزراء الشيعة الستة من حكومة السنيورة· وعلى رغم الطريقة التي يقدم بها موقف الحزبين الشيعيين في الغرب، فإن هناك مبررا لا يستهان به لمطالبهما، فنظام التمثيل السياسي في لبنان وضعته قبل عقود السلطة الاستعمارية السابقة، فرنسا، لضمان أن تكون السلطة تقاسما بين الطائفتين السنية والمسيحية، وتم وضع المسلمين الشيعة، الطائفة الدينية الأكبر في البلد، على هامش النظام السياسي منذ ذلك الوقت، وعنى هذا بالنتيجة حرمانهم من حق شرعي لهم·

ومع انتصارهم العسكري الأخير، كانت هذه هي اللحظة التي أمل منها حزب الله فتح صفحة جديدة، وفرض تنازلات سياسية على السنة والمسيحيين، وهي تنازلات ستفيد منها سورية بطريق غير مباشر، ولكن بموت "الجميل" تبدو هذه الفرص الآن ضئيلة بالفعل· فحزب الله وسورية تبعا لذلك الآن هما الخاسران، وإسرائيل التي تريد إضعاف حزب الله هي الرابحة·

 

·    ثانيا: لقد دفع الاغتيال لبنان الى حافة حرب أهلية أخرى، ومع وجود نظام سياسي غير قادر إلا بالكاد على احتواء الاختلافات الطائفية، ووجود العصائب المتنوعة غير الراغبة في المساومة بعد وفرة الاغتيالات الأخيرة، هناك خطر حقيقي من أن يعود القتال الى شوارع لبنان، ولن يكون هذا قطعا لفائدة لبنان أو أية طائفة من طوائفه الدينية التي ستُجر الى جولة من جولات سفك الدماء· وفي هذه الحالة لا شك أن كوادر حزب الله التي لا تمارس الظهور العلني والتي انتصرت على آلة الحرب الإسرائيلية، سيكون عليها أن تظهر وستدفع ثمنا ضد ميلشيات أخرى مسلحة· بالنسبة لسورية الفوائد ليست واضحة في أحسن الأحوال، هناك فائدة محتملة في أن حربا أهلية دموية قد تزيد الضغط على الولايات المتحدة للحديث مع سورية، ومن المحتمل أن تدعوها الى لعب دور رئيسي مرة أخرى في تهدئة لبنان، كما فعلت خلال الحرب الأهلية الأخيرة، ولكن مع استمرار صعود الصقور في واشنطن، فقد يكون لهذه الحرب النتيجة المعاكسة، وهي تشجيع الولايات المتحدة الأمريكية على عزل سورية أكثر وعلى عكس الاحتمالات السابقة، قد تهدد حرب أهلية تهديدا جادا المصالح السورية، وتقدم فوائد بالغة الأهمية لإسرائيل، فإذا استنزفت طاقات حزب الله استنزافا بالغا في حرب أهلية، فقد تصبح إسرائيل في وضع أفضل للهجوم على لبنان مرة أخرى·

وتتفق الأغلبية العظمى في إسرائيل على أن الجيش الإسرائيلي يعاني من حكة تدفعه الى تسوية حسابه مع حزب الله في جولة قتال أخرى، وبهذه الطريقة (الحرب الأهلية اللبنانية) ربما يدخل الحرب التالية التي يريدها في ظل ظروف أفضل بكثير، أو قد تكون إسرائيل في هذه الحالة قادرة على الدفع نحو حرب بالوكالة ضد حزب الله بدعم خصوم الشيعة·

وبالتأكيد، كان أحد أهداف إسرائيل الرئيسية كما ظهر من حملة القصف الجوي طيلة الصيف، حيث تم تدمير معظم البنية اللبنانية التحتية، هو إثارة حرب أهلية مثل هذه· وقد نقلت تقارير عديدة آنذاك أن جنرلات إسرائيل وضعوا أملهم في أن يحرض التخريب المسيحيين والسنة والدروز على الوقوف ضد حزب الله·

 

·    ثالثا: سورية هي المتهم الرئيسي سلفا في مقتل الحريري، واغتيال ثلاثة سياسيين وصحافيين لبنانيين آخرين، وكلهم ينظر اليهم كمناوئين لسورية طيلة الواحد والعشرين شهرا الماضية، وقد استغلت الولايات المتحدة الأمريكية موت الحريري، والاحتجاجات الواسعة التي تبعتها، لإخراج سورية من لبنان·

وعبّد الخروج السوري من المشهد الطريق أيضا، سواء عن قصد أو عن غير قصد، للهجوم الإسرائيلي في هذا الصيف، والذي كان سيكون أشد خطرا على المنطقة لو أن سورية كانت لاتزال في لبنان·

ورغم أن تهديد محكمة الأمم المتحدة للنظر في مقتل الحريري ظل قائما إلا أن الاتهامات من وجهة النظر السورية أصبحت مبتذلة، ولا تهدّد إلا بالبرهنة على ما اعتقده كل شخص في الغرب، ومع خروج الوزراء الشيعة من الحكومة اللبنانية، بدت التحقيقات زائدة عن الحاجة في كل الأحوال·

ولكن اغتيال "الجميل"، أعاد إحياء الاهتمام "إحياء" دراماتيكا بسؤال من قتل الحريري، وأعاد سورية بقوة إلى نقطة الضوء، ولا شيء من هذا يفيد سورية، ولكن لا شك أن إسرائيل ستحظى بارتياح لا يستهان به جراء الانزعاج السوري·

 

·    رابعا: الحكومة الإسرائيلية واقعة تحت ضغط دولي وإقليمي للتعامل مع سورية والتفاوض لإعادة مرتفعات الجولان، وهي قطعة من الأراضي السورية محتلة منذ العام1967، ومع حل قضية الجولان، ستحل قضية مزارع شبعا المشحونة، تلك التي لا تزال إسرائيل تحتلها، ولكن حزب الله وسورية يعتبرانها منطقة لبنانية كان يجب أن تعاد الى لبنان مع انسحاب إسرائيل من لبنان في العام  2000· وكانت وضعية مزارع شبعا إحدى مناطق النزاع الرئيسية بين حزب الله وإسرائيل·

وقد ظل الرئيس السوري بشار الأسد يشير علنا إلى أنه مستعد لمناقشة إعادة إسرائيل لمرتفعات الجولان بشروط أفضل بالنسبة لإسرائيل مما عرض عليها في السابق، ووفق تقارير في وسائط الإعلام الإسرائيلية، الأسد جاهز لتجريد الجولان من القوات العسكرية وتحويلها الى حديقة وطنية يمكن فتحها للإسرائيليين· ومن المحتمل أنه لن يصر على عودة محددة الى حدود العام 1967، التي تتضمن السواحل الشمالية لبحيرة طبريا، أما قادة إسرائيل فقد عارضوا هذه الفكرة تقليديا، وأثاروا مخاوف عامة باستحضار رؤيا حافظ الأسد الأب، وهو يضع قدميه في البحيرة·

ولكن إذا كان الأسد الابن يسعى سعيا دائبا وراء مفاوضات حول الجولان، فإن إسرائيل من جانبها لا تظهر اهتماما في بحث هذا الخيار، واستبعد رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت مرارا وتكرارا الحديث مع دمشق لعدة أسباب:

- إسرائيل، كما قد يتوقع من تجارب الماضي، ليست بصدد تقديم تنازلات عن الأراضي·

- وهي لا تريد أن تنهي وضعية سورية المنبوذة وعزلتها بعقد صفقة سلام معها·

- وهي تخشى أن صفقة مثل هذه قد توحي بأن المفاوضات مع الفلسطينيين متاحة أيضا·

 السلام مع سورية في العيون الإسرائيلية سيقود حتما الى ضغوط لعقد سلام مع الفلسطينيين، وهو الأمر الذي لا يشكل جزءا من جدول أعمال إسرائيل بالتأكيد·

وهكذا فإن موت "الجميل" وكون سورية هي المتهمة بموته يعيدان سورية الى ملف "محور الشر" ويجمدان أي حديث حول الجولان·

- خامساً: يتنامى الضغط في أوساط الحكومة الأمريكية لبدء محادثات مع سورية ولو لمحاولة تجنيدها فقط في حرب واشنطن على "الإرهاب" فالولايات المتحدة قد تنجح بشق النفس بمعونة إقليمية في إدارة احتلالها للعراق، وليس من الواضح ما إذا كان بوش مستعدا للقيام بمثل هذا التحول، إلا أنه يظل ممكنا· الحلفاء الرئيسيون مثل توني بلير البريطاني يدفعون بقوة للتعامل مع سورية، لأمرين معاً لعزل إيران أكثر (الهدف المحتمل إما ضربة إسرائيلية أو أمريكية للطموحات النووية المفترضة الى الحصول على أسلحة نووية) وتمهيد الطريق نحو مفاوضات مع الفلسطينيين·

وموت الجميل ووضع اللائمة على سورية يعزز وضعية المحافظين الجدد في واشنطن "حلفاء إسرائيل في الحكومة الأمريكية" الذين بدأ نجمهم بالانطفاء فهم يستطيعون المحاججة الآن بحجج مقنعة بأن سورية لا إصلاح فيها وغير قابلة للإصلاح·

والوصول الى مثل هذه النتيجة يساعد على إبعاد الخطر من وجهة النظر الإسرائيلية، خطر أن تتغلب حجة حمائم البيت الأبيض الداعية الى مصادقة سورية·

لكل هذه الأسباب مجتمعة علينا أن نحترس من فرضية أن تكون سورية طرفاً وراء موت الجميل، أو أنها هي اللاعب الإقليمي الوحيد الذي يتدخل في لبنان·

 

 *صحافي وكاتب مقيم في "الناصرة" يساهم باستمرار في موقع:

 www.globalresearch.ca

"23 نوفمبر 2006"

طباعة  

خطط إعادة رسم الشرق الأوسط
الشرق الأوسط الجديد في العين الأمريكية حروب طائفية وإثنية شاملة!