صحافة سراق المال العام.. تقتص من الحكومة للبلاغ الذي قدمته إلى محكمة الوزراء
لم ترسم الكويت منذ الاحتلال والتحرير صورة أكثر تشويهاً وقبحاً ولم تحظ بسمعة أسوأ مما حظيت به خلال الأيام العشرة الماضية في الإعلام العربي· فلقد انقلبت صورة الكويت من صورة الضحية للاحتلال، أو حتى صورة المتشبثة بحقوقها رغم فقدان الآخرين صبرهم لتضرر مصالحهم، إلى صورة المصاب بالغرور الكاذب الذي فقد الحساسية الإنسانية· وقام باعتداء مدبر وغير مبرر على فلسطين الانتفاضة وأحد أبنائها الرموز الذي تضعهم في القلب، رجل القدس واحد من أنبل الظواهر التي ولدها الكفاح الطويل لشعب فلسطين وهو يقاتل من أجل الاستقلال بيد ويقاتل للحفاظ على الهوية والأصالة والمقدسات باليد الأخرى·
خلال سنوات متواصلة دؤوبة الكفاح تحول فيصل الحسيني الشاب ابن الشهيد الاسطورة عبدالقادر الحسيني الذي قاد جيوش المجاهدين عام 1948 وسقط شهيداً عند أبوابها بعد أن أوقف الاجتياح الصهيوني لها، تحول الحسيني الصغير إلى أب روحي للقدس يمثل الشموخ العربي والثبات التاريخي الذي يستند إلى ألف وأربعمئة عام وتحول إلى ما يشبه قوس قزح يجلل هامة المدينة· وكان أروع ما فيه أنه مارس نضاله السلمي الثابت بهدوء يجرد المتشنجين من أسلحتهم وبأخلاق عالية لم يتنازل عنها في أصعب اللحظات ففرض احترامه حتى على أشد أعدائه·
كان من المنتظر أن تحقق زيارة الحسيني للكويت للمشاركة في مؤتمر مقاومة التطبيع مع إسرائيل في الخليج دعماً لكفاح الشعب الفلسطيني من أجل الاستقلال منعطفاً جديداً وانتصاراً كويتياً آخر على المستوى الشعبي بعد أن حققت الكويت انتصاراً دبلوماسياً بقيادة سمو الأمير في مؤتمر القمة في عمّان لتنطلق في محاصرة نظام طاغية بغداد· لكن الصحافة أو بالأحرى بعض الصحافة الكويتية لعبت دوراً تخريبياً وبعضها كان تآمرياً مدبراً لضرب الدبلوماسية الكويتية في محاولتها لاستعادة صورة الكويت البهية في الذهن العربي، وفي مواجهة طاغية بغداد سواء كانت دبلوماسية رسمية أو شعبية، مما شوه صورة الكويت أسوأ تشويه وجعل أصدقاء الكويت يصابون بالذهول والحسرة على ما وصلنا إليه من تمثيل بالنفس وتشويه للمواقف الشريفة التي جاهدنا خلال 10 سنوات لإبراز صورة الكويت بها، ولا نقول ما وفر ذلك من هدية ثمينة قدمناها للنظام الصدامي· فمنذ اللحظة الأولى لوصول الحسيني كان البعض ممن حسبوا على الصحافة الكويتية يتربص ويحاول أن يأخذ تصريحات مثيرة تجهض الزيارة· وسُئل الحسيني عن زيارة عرفات للكويت فأجاب ببراءة عما يأمله· وقام بعض الصحافيين بدس خبر غير صادق حول دخول مرافق المرحوم الحسيني، ثم ذهبت تلك الصحف تستصرح النواب الذين اشتهروا بالتشنج وفقدان البصيرة تجاه كل ما يمت بالعلاقات الكويتية الفلسطينية، ويستصرح النواب ذوي الأصوات الزاعقة من قناصي الفرص الذين لا يفوتون فرصة من أجل الظهور الإعلامي المرضي لتحقيق مكاسب انتخابية رخيصة، وتستصرح من لهم ثارات يريدون تصفيتها مع الحكومة أو مع بعض المؤتمرين في مؤتمر مقاومة التطبيع·
ثم قامت تلك الصحافة "المحترمة جداً" بنشر تلك التصريحات بأسوأ المانشيتات إثارة وقام العديد من كتابها بتسطير أقذر ما في جعبتهم من اتهامات وأوصاف وأباطيل، مما أثار استهجان واحتقار المواطنين ومما جعل من يقرأها من العرب يصاب بالغثيان فكيف يقرأها أي من العرب الفلسطينيين في تلك اللحظة التي تنتهك فيها فلسطين والقدس وتغتصب ويهدر دمها؟
ولكن ما هو سر موقف هذه الصحافة؟!
نستذكر المشهد الصحافي المحلي قبل زيارة الراحل إلى الكويت· كانت الصحافة الكويتية مشغولة لعشرة أيام على الأقل في قضية محلية متفجرة هي قضية الناقلات والحكم الذي أصدرته اللجنة الخاصة ببطلان البلاغ المقدم في حق المتهم الخامس والموقف الشعبي الذي تفجر جراء ذلك وموقف بعض أعضاء المجلس وقرار الحكومة بتقديم بلاغ جديد والصراع داخل الحكومة على ذلك البلاغ واستقالة أعضاء اللجنة الخاصة القنبلة والتي فجرت في الشارع لتصبح حديث الكويت·
كانت الصحافة الكويتية منقسمة ومعركة ضخمة تدور للتأثير على الرأي العام ففي جانب استطاع المتهمون بسرقة المال العام تجنيد قطاع رئيسي من الصحافة في الدفاع المستميت عن النفس بينما تصدى البعض الآخر من الصحافة للدفاع عن مصالح الشعب والدفع بفرض هيبة القانون وحكم القانون على الجميع بينما وقف بعض آخر على الحياد·
كان الخصم الأساسي للصحافة المدافعة عن المتهمين بسرقة المال العام في تلك اللحظات هي الحكومة التي قامت بتقديم بلاغ جديد ضدهم وعدم طي صفحة السرقة العملاقة كما يريدون· ولذلك عندما جاءت زيارة الحسيني كانوا يريدون تحقيق هدفين: الأول هو الاقتصاص من الحكومة واحراجها محلياً وعربياً واظهار قدرتهم على افشال مساعيها والتنكيد عليها والثاني هو شد أنظار الناس عن أولئك المتهمين الذين سرقوا أموال الشعب في أحلك ظروف تمر بها الكويت زمن الاحتلال واذا أضفنا إلى ذلك ما يقوم به أحد أجنحة الحكم ضد الجناح الآخر لإفشاله وسد ما يتضح من الطرق في وجهه تكتمل لدينا الصورة ويجاب على التساؤل: لماذا تقوم بعض صحف هذا الوطن بأكبر عمليات التشويه لصورته وأكبر عمليات التخريب في أمنه القومي؟
* * *
بعض النواب استمرأ المكسب الغوغائي الرخيص وبعضهم حاول تصفية حساباته مع الحكومة
كتب محرر الشؤون المحلية:
ربما يمثل سقوط الاقتراح الذي تقدم به بعض النواب يوم الاثنين الماضي لمناقشة العلاقات الكويتية- الفلسطينية منعطفاً في موقف تعامل المجلس مع الظواهر الغوغائية التي يحاول البعض تكريسها كسمة رئيسية من سماته· فالاقتراح يحمل خلفيات ليست لها علاقة بمصلحة الكويت بل هي من جهة حلقة أخرى من محاولات الاحتدام والتفجير لاحراج الحكومة وزرع العقبات في طريقها في مسلسل الصراع معها بلغات متعددة ومن جهة ثانية هي محاولة لجرجرة المجلس للتغطية على تورط البعض من مقدمي الاقتراح في موقف بائس تعرى محلياً وعربياً اثر التصريحات غير المسؤولة بل والسوقية أحياناً التي استقبلوا بها المرحوم فيصل الحسيني وهو ابن الشهيد الاسطوري عبدالقادر الحسيني وهو من القيادات الفلسطينية القليلة التي رفضت الغزو العراقي للكويت وقالت إن الاحتلال هو احتلال سواء كان في الكويت أو في فلسطين· وهو أهم قائد عربي في القدس الشريف والرمز الأساسي من رموز نضالها للفكاك من الاحتلال، جاء إلى الكويت يحمل همومها ومعاناتها ويحمل رسالة اليها من الانتفاضة وهي تمر في أقسى لحظاتها·
جاء الحسيني ليس كممثل للسلطة الفلسطينية بل كحامل لملف القدس وجاء مدعواً من قوى شعبية كويتية سعت لهذه الزيارة منذ أكثر من عام ومهدت لها مع الحكومة التي رحبت لما يمثله الحسيني من ثقل وموقع في نضال القدس وفي كفاح شعبها من أجل الحفاظ على الهوية ولما له من مكانة عربية ودولية·
ورأت أنه يشكل جسراً مهماً وطبيعياً مباشراً إلى قلب الانتفاضة مما يعزز دور الكويت في مساندة الكفاح الفلسطيني من أجل الحرية والاستقلال ويعزز أيضاً دور الكويت العربي·
وجاء الحسيني ليحضر مؤتمر مقاومة التطبيع مع إسرائيل في الخليج وهو مؤتمر شعبي أسس في الكويت والتقت فيه قوى سياسية كويتية لا تلتقي على معظم القضايا المحلية وذلك لاحداث أكبر تأثير عربي وخليجي، ويسعى لايقاف عمليات التطبيع المشينة وغير المبررة التي تقوم بها بعض دول الخليج مثل تلك المقابلة التي قام بها وزير خارجية دولة خليجية ودون خجل مع السفاح شارون ودعوته لزيارتها، مع ان هذه الدولة ليست بالعير ولا بالنفير، ودول عربية أخرى·
لقد كان مؤملاً أن يخرج المؤتمر بحضور الحسيني الذي حضره أيضاً الرئىس سليم الحص رئيس وزراء لبنان السابق والذي يحظى باحترام عربي كبير وكذلك المناضل الفلسطيني خالد المشعل أحد قيادي حركة "حماس"، كان مؤملاً أن يخرج بموقف وزخم شعبي يخترق هذا الشلل العربي الذي يحيط بالانتفاضة الباسلة ويكاد أن يخنقها ويحرك المياه الراكدة ويسجل للكويت انتصاراً على صعيد التحرك الشعبي لم يسبقها اليه أحد يساند الانتصار الرسمي الذي حققناه بقيادة سمو الأمير في مؤتمر قمة عمّان حيث حوصر النظام العراقي رسمياً فيحاصر بنتائج مؤتمر مقاومة التطبيع على نطاق شعبي عربي واسع· لكن الحسابات الشخصية الخاصة ضربت نطاقاً كثيفاً من الضبابية على القدرة على التفكير والتقدير وألغت الحظر الواجب في التحقق من المعلومات التي تبنى عليها مواقف ذات أثر على الناس ومصالح البلاد فتحولت أكذوبة أو نصف حقيقة من أن مرافقاً للمرحوم فيصل الحسيني قد أدخل البلاد عنوة رغم رفض السلطات الكويتية لقدومه لأنه متعاون مع الاحتلال العراقي بينما الواقع أن الأمر لم يعد أن يكون تشابه أسماء حيث إن المرافق المذكور كان منذ عام 1989 إلى عام 1991 في سجون الاحتلال بتهمة المقاومة وأن الذي سهل مهمة سفره من الأردن هو سفير الكويت في عمّان ولم يقتحم البلاد اغتصاباً، تحولت هذه الأكذوبة إلى قضية كبرى تبنى عليها المواقف ويفرغ فيها كل كلام الاثارة والتكسب الشخصي الشعبوي واثارة الغرائز وكذلك مجالاً للتخريب على الانتقام من الحكومة·