كتب محرر الشؤون القانونية:
أدلى المستشار فيصل الصرعاوي نائب رئيس إدارة الفتوى والتشريع بتصريح خص به وكالة الأنباء الكويتية (كونا) ونشرته الصحافة المحلية أوضح فيه موقف الإدارة من قضية مرسوم حقوق المرأة السياسية مؤكداً أن من غير المتصور أن تدافع إدارة الفتوى والتشريع عن المرسوم كنائبة عن الحكومة ثم تهاجمه كنائبة عن مجلس الأمة! وان إدارة الفتوى والتشريع تعتبر نائبة قانونياً عن جميع السلطات في الدولة سواء السلطة التنفيذية أو التشريعية أو القضائية، كما تمثل هذه السلطات الثلاث أمام المحاكم أيضاً بجميع درجاتها، وانها لذلك فوضت الرأي من الناحية الموضوعية في قضايا المرأة للمحاكم··!! وانها قد راعت الشروط الشكلية التي أخذت بها المحكمة الدستورية وقضت بعدم قبول الدعاوى المرفوعة بإلزام وزارة الداخلية القيد في جداول قيد الناخبين·
وأول ما يتبادر إلى الذهن السبب الذي دعا السيد الصرعاوي أن يكون ناطقاً رسمياً عن إدارة الفتوى والتشريع مع وجود رئيس لهذه الإدارة·
وإن ما ورد في تصريح المستشار الصرعاوي مثير للدهشة وقد جانبه الصواب وحاد عن الحقيقة في وجوه عدة:
أولاً: إن إدارة الفتوى والتشريع لا تمثل جميع السلطات فهي نائبة قانونية عن الجهاز الحكومي فقط وهذا ما ورد في ديباجة المرسوم الأميري رقم 60/12: "لما كانت دوائر الحكومة المختلفة تواجه الحاجة إلى جهاز قانوني··· وأن يتولى هذا الجهاز الدفاع عن خزانة الدولة في جميع القضايا التي ترفع من الحكومة أو عليها"·· (مادة 8) ومفهوم الحكومة هنا قاصر على المدلول نفسه الذي جاء به المرسوم الأميري، ومن ثم لا يجب التوسع فيه بشموله لاختصاصات أخرى غير ما جاء في المرسوم··· وأكثر من ذلك فإن قانون البلدية الصادر عام 1972 وقانون مؤسسة التأمينات الاجتماعية قد قيد اختصاص إدارة الفتوى والتشريع في المرافعة والحضور أمام المحاكم بالنسبة لهاتين الجهتين·
ثانياً: إن السوابق تشير إلى أن مجلس الأمة كسلطة تشريعية ممارساً حقه الرقابي والتشريعي لا تنوب عنه إدارة الفتوى والتشريع وإنما يقوم المجلس بتوكيل عدد من المحامين في القطاع الخاص للقيام بمهمة الدفاع عنه وهذا ما حدث في أكثر من مناسبة ولعل أقربها إلى الذاكرة طلب تفسير المادة 71 من الدستور الذي تقدمت به الحكومة وكانت إدارة الفتوى تمثل السلطة التنفيذية (الخصم) كما ان مجلس الأمة لا يستفتي إدارة الفتوى والتشريع ولا يطلب منها صياغة القوانين وإنما تتكفل بهذه المهمة لجنة الشؤون التشريعية والقانونية·
ثالثاً: إن السيد الصرعاوي ذكر في معرض تعليقه على المرسوم بمنح المرأة حقوقها السياسية أنه لم يطلب من إدارة الفتوى والتشريع ابداء رأيها في هذا المرسوم وهذا الكلام غير دقيق، ذلك أن الإدارة وبحكم اختصاصها الوارد في المادة الثانية هي التي تتولى صياغة مشروعات القوانين التي تقترحها الدوائر والمصالح وكذلك صياغة مشروعات المراسيم واللوائح والقرارات التنفيذية للقوانين· ومن الواضح أن الإدارة وهي تمارس مهمة الصياغة في قانون ثار حوله خلاف واسع وجدل كبير أن يأخذ حقه في النقاش والرأي حتى يصدر في الصيغة والكيفية التي صدر بها وان أول ما يجب مراعاته في هذا الخصوص هو مدى انسجام مشروع القانون مع نصوص الدستور وعدم تعارضها معه، فإدارة الفتوى والتشريع لها اختصاصات متعددة وأولى هذه الاختصاصات هو التشريع وثانيها إبداء الرأي، ويبدو أن الأمور قد أبهمت أو اختلطت على السيد المستشار لكي يظن أن الموضوع بحاجة إلى إبداء رأي -فتوى- بينما هو في حقيقته تشريع قد اكتملت أركانه القانونية·
رابعاً: إن مهمة البحث عن الأسباب الشكلية بهدف الوصول إلى حكم بعدم القبول في قضايا المرأة سواء أمام المحكمة الإدارية (محكمة الموضوع) أو أمام المحكمة الدستورية بهذا الشكل يثير الريبة والتعجب ويدل دلالة قاطعة على توجه مريب -للوكيل- عن الأصيل· فإذا كان الأصيل وهو مجلس الوزراء ومن قبله حضرة صاحب السمو أمير البلاد قد أمر بهذه الرغبة السامية فلماذا تتفنن إدارة الفتوى والتشريع -وهي مجرد وكيل عن أصيل- بالبحث والتحري بعنف عن الدفوع الإجرائية بدلاً من إيجاد مخارج للمرسوم الأميري لإقراره، وتبادر الإدارة إلى ايجاد العراقيل للمرسوم لكي لا يظهر إلى الوجود·
خامساً: ادعى المستشار بخلاف الواقع أن إدارة الفتوى فوضت الرأي من حيث الموضوع للمحاكم لتقضي في النزاع على النحو الذي تراه هذه المحاكم متفقاً مع أحكام الدستور، وذلك كما ذكرنا مناف للحقيقة والمذكرات التي تم تقديمها للمحاكم الإدارية أو الدستورية والموقعة من المستشار حمدي الدويك وآخرها في قضية لولوة الملا وهند الشلفان حيث دفعت الإدارة بدفوع شكلية عدة، بعدم اختصاص المحكمة ولائياً بنظر الدعوى وكذلك دفعت بعدم قبول الدعوى سواء لرفعها بغير اتباع الاجراءات التي حددها القانون أو لانتفاء القرار الإداري وأيضاً وعلى خلاف ما ذكره السيد الصرعاوي طلبت "رفض الدعوى موضوعاً"· كما قدمت مذكرة للمحكمة الدستورية من ست صفحات تطلب الحكم بعدم قبول الدعوى لانتفاء صفة مبدي الدفع بعدم الدستورية (رغم علم الإدارة أن الدعوى أحالتها المحكمة من تلقاء نفسها وليس بناء على دفع من المدعيتين أو وكيلهما) مع "حفظ الحق في إبداء الدفوع كافة والدفاع في حالة رفض هذه الدفوع الشكلية" وليس كما ذكر السيد الصرعاوي بأن الإدارة فوضت المحكمة الرأي بالنسبة للموضوع·
لقد أقحم السيد الصرعاوي نفسه في قضية أثارت جدلاً واسعاً وخلافاً كبيراً في أوساط المجتمع الكويتي الذي استاء من موقف الإدارة وكان حرياً به أن يتفرغ لمواجهة جهازه القانوني الذي أبتلي بالخسائر تلو الخسائر في الكويت وفي الخارج وأصبح عرضة للنقد والتجريح من نواب الأمة والصحافة· والحكومة أرادت بمبادرة سمو أمير البلاد أن تسد باباً لهذا الخلاف وان تصحح خطأ مضى عليه أربعة عقود وأن تعود إلى طريق الصواب فكان الأحرى بدفاع الحكومة أن يقف إلى جانب الحكومة لا إلى جانب خصومها·