| يمثل الخطاب السياسي لكافة التيارات السياسية في العالم العربي معوقا مهما في تطور المجتمعات العربية·· وإذا كانت المجموعات الإسلامية، على كافة تلاوينها، قد مثلت أكبر التجمعات السياسية في الوطن العربي منذ أواخر السبعينيات، وتحديدا بعد انتصار ثورة الخميني في إيران، فإن هذه التجمعات لا بد أن تعيد النظر في خطابها السياسي إذا أرادت أن يكون لها تأثير خلال العقود المقبلة· ودون ريب إن التطورات في عدد من البلدان العربية الرئيسية، مثل الجزائر، المغرب، تونس، مصر واليمن، تدل على أن شعوب هذه البلدان قد أصابها الإحباط من خطاب منظمات الإسلام السياسي وأخذت تحد من التأييد لهذه المنظمات· وتدل الأحداث على أن عنفوان التأييد قد انحسر حيث تراجعت قدرات هذه التنظيمات على تهديد الأنظمة التقليدية القائمة·· من الصحيح القول إن تلك الأنظمة قد طورت فن قدراتها لمكافحة العنف السياسي، كما أنها استعملت أساليب أمنية متشددة وخالفت قواعد حقوق الإنسان في مواجهتها لهذه التنظيمات، لكن لا بد أن نقرر أيضا أن منظمات المعارضة الإسلامية لم تتمكن من تطوير قدراتها السياسية لمخاطبة شعوب المنطقة بما يتوافق مع متطلبات هذه الشعوب ومستلزمات التنمية·
من جانب آخر عجزت القوى القومية واليسارية من تطوير خطابها السياسي بما يتفاعل مع التحول نحو الديمقراطية والتعددية، وظلت هذه القوى حبيسة الفكر الشمولي والنزعات الديكتاتورية التي تركز على أنها تملك الحقيقة النهائية، وأنها تملك الحلول لكافة المعضلات التي تواجهها المجتمعات العربية· إن مثل هذه الذهنية لا يمكن أن تمكن هذه القوى من تفاعلها مع المجتمعات التي تعمل من خلالها وتعزز تواجدها بين البشر· يضاف الى ذلك أن هذه القوى ظلت تحتكم لذات القيادات التقليدية التي أمضت أكثر من أربعين عاما متربعة على مراكز القيادة والتوجيه ضمن هذه الأحزاب·· كذلك فإن معظم هذه القوى، التي تصف كياناتها بالتقدمية والإصلاحية، لا تعقد مؤتمرات دورية لمناقشة أوضاعها وأوضاع أوطانها وتأثير التحولات العالمية على العالم العربي·
وإذا أخذنا مسألة انهيار الاتحاد السوفييتي وتراجع الفكر الاشتراكي كأيديولوجية في العالم المتقدم والعالم النامي لا نجد أيا من الأحزاب الشيوعية أو اليسارية العربية قد عقد مؤتمرا لمناقشة هذه التطورات وكيفية معالجتها·· بل إن المؤتمرات، التي عقدت، زادت من التشرذم أو التمسك بالقيم القديمة من دون محاولة للفهم العلمي والمعاصر للأحداث، وينطبق الأمر على القوى القومية التي ظلت تخضع لهيمنة الفكر الشمولي، وأحيانا الفاشي، ولم تعالج المشاكل والمعضلات العربية من منظار ديمقراطي تقدمي، وظلت تخضع لقيم ومنطلقات الأنظمة العربية المستبدة·
إن التطورات على الساحات المحلية تؤكد أن هذه الساحات العربية أصبحت خالية من القوى القادرة على استيعاب احتياجات المجتمعات العربية من تطوير للأوضاع الاقتصادية، وتعزيز العلاقات مع العالم المتقدم، وتوفير معيشة معقولة، وتعزيز فرص التعليم المناسبة، وتحسين نوعية الحياة·· وإذا كان النزاع العربي الإسرائيلي قد هيمن على تفكير وذهنية القيادات السياسية العربية، سواء أكانت في الحكم أم في المعارضة، لأمد تجاوز نصف القرن فإن هذا الصراع قد عطّل قدرة هذه القيادات وقواها لتطوير برامج التنمية والنهضة في أكثر من قطر عربي·· ولا شك أن تطورات هذا الصراع وانتهاج أساليب المفاوضات والتسوية قد يفرض على مختلف القوى العربية أن تعيد النظر في حساباتها واعتماد الصراع كأداة لزيادة أعداد مناصريها·· لقد أصبح على هذه القوى أن تتصرف وتتكيف مع هذا الصراع العربي الإسرائيلي من منطلق التوصل الى تسوية تاريخية تعتمد تحقيق أفضل الحلول الممكنة، خلال هذه المرحلة التاريخية، من وجهة النظر العربية لكي يتم التفرغ للقضايا الوطنية الأخرى التي تنعكس حلولها على تطور المجتمعات العربية·
لذلك ليس أمام مختلف القوى السياسية العربية إلا أن تكيف خطابها السياسي بما يتوافق مع مواجهة حضارية ونهضوية للمعضلات المجتمعية والاقتصادية في مختلف أقطار الوطن العربي·· كما أن هذه القوى يجب أن تدفع نحو المزيد من العمل الديمقراطي والانفتاح السياسي وتعزيز آلياتها الديمقراطية وتحديث وسائلها بما يحقق لها المشروعية الشعبية·· وخير الأساليب أمام هذه القوى أن تعيد النظر في ترتيباتها وقياداتها وتجديد مقولاتها ووسائلها··! |