| كان الحديث في سالف الأيام يدور حول التحول من النظام الرأسمالي إلى النظام الاشتراكي في إدارة الاقتصاد وتنمية المجتمع، لكن ما يدور الآن، في الدول الصناعية المتقدمة، هو الحديث بشأن التغيرات التي حدثت في بنية الاقتصاد الرأسمالي والدخول في عصر ما بعد الصناعة·· إن من أهم الأسباب التي تدفع إلى هذا الاهتمام الفكري التحولات البنيوية في تركيبة الاقتصاد الرأسمالي التي جعلت الصناعة التحويلية التقليدية تأخذ مكاناً أقل أهمية في البناء الاقتصادي بعد أن أصبحت أعمال البرمجيات وأنشطة الخدمات، وبعد أن أخذ قطاع الخدمات يوظف ما يزيد عن ثلاثة أرباع قوة العمل في الدول الصناعية·· ودون ريب إن هذه التحولات تدفع إلى إعادة النظر في برامج ومناهج التعليم وتزيد من أهمية علوم الكمبيوتر وصناعة المعلومات وتؤكد أهمية إلمام قوة العمل باستخدام وسائل التقنية الحديثة·· وهذه الحقائق تدفع إلى إعادة تأهيل قوة العمل من أجل تمكينها من التوائم مع متغيرات ومتطلبات الأعمال التي تتطلبها الأنشطة الاقتصادية في بلدانها في ظل المتغيرات المشار إليها·
وإذا كانت بيئة العمل قد أصبحت عرضة لهذه المتغيرات الواسعة والمؤثرة، فكيف يكون الحال في واقع المجتمع الكبير؟ هل هناك متغيرات ديموغرافية مثل عادات التناسل والزواج والطلاق والعلاقات في أطر الأسرة الصغيرة والأسرة الممتدة وغيرها من متغيرات؟
إن من الواضح أن نمط الحياة الاجتماعية في الدول الصناعية الغربية قد تأثر كثيراً خلال التحولات الصناعية والاقتصادية التي مرت بها هذه المجتمعات خلال النصف الأخير من القرن التاسع عشر وخلال القرن العشرين بأكمله، وهذه التحولات قد أدت إلى سلوكيات مجتمعية تمثلت بالحد من التناسل وتأخر سن الزواج واندماج المرأة في قوة العمل وتبدل كبير في منظومة القيم الأخلاقية والفكرية·· وإذا كانت هذه المجتمعات تنمو سكانياً بحدود تقل عن الواحد في المئة سنوياً، فهل نتوقع أن يتأثر هذا المعدل بأوضاع الاقتصاد الجديد وأنشطته؟ من البديهي أن تحدث تحولات اجتماعية استحقاقاً لتلك المتغيرات الاقتصادية الصاخبة مثل ما حدث على مدى القرنين المنصرمين بعد بداية العصر الصناعي·
يذكر بعض المراقبين الاقتصاديين أن ما يقلق، في إطار التحولات الاقتصادية، أن الهوة بين الأغنياء والفقرات سوف تزداد على كافة الأصعدة·· وفي هذا السياق بدت ظواهر تتأكد حيث ترتفع مداخيل ورواتب وأجور العاملين في إدارة المؤسسات أو المتعاملين مع الأنظمة والبرامج المعلوماتية، في حين تستقر رواتب وأجور العاملين مع الأنظمة التقليدية وتتراجع أجور العاملين في الخدمات الشخصية·· هذه الفروقات التي بدأت تتضح في الدول الصناعية تقابلها فجوة كبيرة بين الدول الصناعية والدول النامية التي مازالت تعيش في حالة اقتصاد بدائي لم يصل حتى إلى مرحلة الاقتصاد الرأسمالي التقليدي، ولذلك فإن المرء يجد أن الناتج المحلي الإجمالي في بعض الدول لا يصل حتى إلى مستوى مبيعات شركة رئيسة في أي من الدول الصناعية· كيف يمكن أن تلحق هذه الدول الفقيرة بالتطورات الجارية في الدول الصناعية؟، ومن الذي يمول هذه العملية؟، تساؤلات تمثل تحديات للعالم أجمع·
كما هو معلوم أن الدول النامية تواجه معضلات راهنة مهمة وأساسية، منها تدني مستوى الأداء الاقتصادي وتخلف المستويات المعيشية وارتفاع معدلات الأمية وانتشار ظواهر اجتماعية مقلقة، هذه الأوضاع تزيد من مسؤوليات وأعباء التنمية في ظل المتغيرات الحديثة·· إن الديوان الخارجية لدول العالم الثالث التي تقارب 1.5 تريليون دولار أمريكي تمثل أكبر العوائق أمام مسألة تمويل التنمية ·· كيف يمكن تمويل عملية التنمية في ظل استحقاقات خدمة الديون المذكورة في ظل تدني مداخيل التصدير بعد انخفاض الطلب على المواد الأولية؟ وإذا كانت نسبة خدمة الدين تمثل مستويات مرتفعة من النتاتج المحلي الإجمالي لأي من البلدان النامية، وكذلك من قيمة الصادرات السلعية لهذه الدول فكيف يمكن رصد الأموال للمشاريع الحيوية في هذه البلدان؟·· ولا شك أن هذه البلدان قد أنفقت أموالاً ضخمة على التسلح والعسكرة ودخلت في مغامرات وصراعات إقليمية فإن علينا أن نتصور مقدار الهدر في مصالح هذه البلدان خلال العقود المنصرمة·
ومهما يكن من أمر فإن الاقتصاد الحديث يفرض، أيضاً، اندماج وتواصل الاقتصاديات بعضها بعضا وانفتاح الأسواق، لكن هل ستوفر التمويل بذات الشروط والفرص لكافة اللاعبين في الساحة الدولية؟ من الطبيعي أن تحظى المؤسسات المقتدرة التي تحقق أفضل المداخيل بشروط ميسرة، وسوف تكون هذه المؤسسات أكثر جاذبية للتوظيفات المالية على مختلف أدواتها·· وتشهد على ما سبق ذكره بيانات التدفق الرأسمالي خلال السنوات الماضية حيث إن العديد من الدول النامية لا تجذب سوى أموال قليلة نسبة لحجم التدفقات الاستثمارية في العالم·· وهكذا يصبح على الدول النامية مسؤوليات كبيرة لتطوير اقتصاداتها وتحديث أنظمتها التعليمية وتطوير قواها البشرية بما يتوافق مع التزامات اللحاق بالاقتصاد العالمي الجديد· لكن هذه المسؤوليات ستكون مهمة ومؤلمة! |