| أشعث الهيئة·· رث الهندام·· تلقائي المظهر·· مملوء البنية·· منفوش الشعر·· مفرطح الرأس·· واسع المنكبين·· قصير الذراعين·· كث الحاجبين·· مهدول الشفتين: إنه شنشنة تجاعيد تتلوى في تضاريس صفحة وجه مزقها الجدري واطفأ ضوء ناظريه فتتفاتل وتتدامج خيوط التجاعيد في فرائص وجهه·· وهو يقدم لك من شغاف روحه وتأمل عقله أريج قوافيه الموشجة بمعاناة وطنه:
إن كنت تسأل عن صنعاء يا أبتي
مليحة عاشقاها السل والجرب
وهو يلقي بائيته مخاطبا (أبا تمام) يومها أرخت منابر الشعر هاماتها·· أمام جلال شاعر اليمن العظيم عبدالله البرودني!
عندما اختزل البردوني في ذاكرتي·· عفوا·· وهل يُختزل البردوني؟! عندما استعيد بأدب جم عطر خصوصية حضوره في ذاكرتي·· استعيد جلل كلاسيكية الشعر في تراثنا في هيئة أبي العلاء المعري·· وبشار ابن برد·· وحتى شيئا من معروف الرصافي·· وعندما أتفقد حاضر بعض "الحداثيين" من شعرائنا الذين يغلفون دفاتر أشعارهم وقصائدهم بـ"سلفان" خيش الذل و"العنطزة" أوشك أن أصبّحهم بشيء من رضاب الصباح!!
كان البردوني رحمه الله عاصفة شعر لا هوادة فيها ضد طغيان الإمامة والاستعمار البريطاني والجهل والظلام·· وكانت مواقفه الشعرية والمبدئية والسياسية تصب في انتشال الإنسان اليماني من وحل الظلم والاستعباد:
فظيع جهل ما يجري
وأفظع منه أن تدري
وهل تدرين يا صنعاء
من المستعمر السري؟
عندما تقترب من البرودني جسدا وشعرا وروحا وشكلا و"قيافة" تشم فيه رائحة اليمن وأتربتها وشعابها وصخورها·· حقا إنه إحدى الصخور اليمانية الراسخة التي تتفجر مياها صافية طيبة عذبة·· من أعماقها!!
ويعرف بالبردوني نسبة الى بلدته (بردون) ويروي البردوني متهكما: إن من النعم أن (بردون) قرية فقيرة مغمورة غير معروفة·· وإلا طالبت بها فرنسا فهي فرنسية الاسم ناهيك عن يمانيتها!! ويتفجر ضاحكا·· وتجاعيد وجهه تتفاتل في أساريرها كالثعابين المتنافرة·· وهو يقول: تصوروا أن تكون العاصمة باريس!!
وينقل المقدسي طُرفة كما يقول الدكتور رشيد الخيون "إن البردوني كان جالسا في مجلس حكومي رفيع المستوى وسأله أحد الحاضرين لماذا لا تكتب يا أستاذنا عن الديمقراطية فرد البرودني "الغيبة حرام" وكان البردوني ذا رؤيا سياسية تقييمية ثاقبة·· حول وحدة الشمال والجنوب·· دللت الأيام والأحداث صحتها·· وقد تواقدت قريحته الشعرية في هذا الخصوص في ديوانيه "رجعة الحكيم بن زايد" و"الزحف إليه"·
لا ريب أن البردوني نادرة من النوادر الموهوبة·· التي لو طاب لها أن تأخذ أبعاد تجاوز ضائقة وبؤس ظروفها الموضوعية والذاتية لأعطت خيرا ثرا عميما لا حدود لعموميته!!
رحم الله شاعر اليمن العظيم عبدالله البردوني·· وأسكنه فسيح جناته وألهم أهله وأصدقاءه ومحبيه ومريديه الصبر والسلوان!! |