| أيام زمان، عندما كنا في مراحل الدراسة الأولى، كان ضمن ما حفظناه وتعلمناه أن الحرية ليست فوضى والنظام ليس تعسفا· وأخال أن بيت قصيد ذلك الشعار كان إقناعنا بأهمية النظام في المجتمع المدرسي وأهمية مراعاة قوانينه ولوائحه، وبخاصة أن جيلنا كان في ملامحه العامة جيلا جامحا· لكن في الوقت نفسه فإن هذا الشعار يصدق أيضا في المجتمعات الإنسانية بشكل عام، فالدعوة الى الحرية لا يمكن أن تعني الفوضى وضياع الأمان والتعدي على حقوق الآخرين· هذه المقولة نسوقها بعد أن تداعى بعض "ليبراليينا" الى الدعوة لإنشاء تنظيم يعنى بالدفاع عن حرية الفكر والنشر وذلك على أثر مقالة نشرها الدكتور أحمد البغدادي يناقش فيها ملامح مجتمع المدينة المنورة في عهد الرسول الأعظم·
بداية نعتقد أن المقالة المنشورة لا تستحق كل هذه الضجة فاستنتاجاتها أكثر من بدهية ولا تقتصر على أكثر من القول إن مجتمع المدينة لم يكن مجتمعا "ملائكيا" بل كان مجتمعا "إنسانيا" فيه خير البشر وشرهم على حد سواء، ومثل هذا الاستنتاج لا يحتاج الى بحوث مطولة ولا يحتاج الى دراسات معمقة· هذه النتيجة الواضحة دفعت السيد البغدادي الى إلصاق صفة "الفشل" بجهود الرسول الأعظم وهو أمر نعتبره زلة منه على أقل تقدير، فالمصطفى كان مؤزرا بالوحي منصورا بالرعد مسددا من السماء، ولو أراد الله جلت قدرته للمجتمع الإنساني أن تغمره الفضيلة لما كان ذلك عليه عزيزا، مجتمع المدينة في عهد الرسول الأعظم، وبحسب النصوص القرآنية، كان مجتمعا يرتع فيه المنافقون ويمرح فيه أعداء الدعوة المتسترون، لكنه أيضا هو المجتمع الذي حول أبا ذر من قاطع طريق الى صفوة الأخيار "لم تقل الغبراء ولم تظل السماء أصدق ذي لهجة منه"، وتخرجت منه عقلية فذة مثل عقلية الخليفة الثاني الذي أسس تنظيم الدولة الحديثة، وتتلمذ في رحابه إمام المتقين· ونعتقد أن الأولى بالسيد البغدادي أن يراجع ما كتبه ويعتذر الى الله أولا عما خطته يداه، فعلى المستوى البشري لا يمكننا نعت دعوة غاندي، مثلا، بالفشل لأن الهند ما زالت تعاني من المشكلات الطبقية التي جاهد في سبيل وأدها فما بالنا بالرسول المدعوم بوحي السماء·
أما حكاية الدعوة الى إنشاء تنظيم للدفاع عن حرية الرأي فهي دعوة نؤيدها في إطارها العام لكننا نعارضها في إطارها الخاص المرتبط بقضية مقالة البغدادي· نؤيد دعوة الدفاع عن الحريات ضد استبداد الأنظمة والحكومات ونؤيدها ضد قوانين المطبوعات المجحفة ونساندها أمام محاولات سد منافذ الهواء والفكر، لكن ذلك كله يتم في إطار أن الحرية ليست فوضى والنظام ليس تعسفا وفي إطار توفير الضمانات اللازمة لمحاكمات عادلة ونزيهة لجميع القضايا بما في ذلك قضايا الرأي· |