| هل المجتمعات العربية قد استوعبت القيم الديمقراطية ومفاهيم التعددية الفكرية وحقوق الاختلاف ومعاني التسامح؟ كيف تستطيع هذه المجتمعات أن تحقق هذه التطورات المفصلية وتكوين منظومة قيم متحضرة في ظل الشمولية والاستبداد السياسي والثقافي؟ وإذا كان الدكتور فؤاد زكريا، أستاذ الفلسفة المصري، تساءل في عام1990 وبعد الاحتلال العراقي للكويت "أين الخلل"؟ وبين أن ذلك الوضع الكارثي نتيجة لوجود بنية ثقافية استبدادية في الوطن العربي تمهد الطريق أمام أي حاكم متعسف لارتكاب أي جرائم ضد الإنسانية دون أن ترف أي شعرة في جسد مثقف من مثقفي هذه الأمة، وقد أكد، وعن حق، أن المعضلة الأساسية التي تواجه التطوير الحضاري في البلدان العربية هي وجود هذه البنية الثقافية المعتمدة على الفكر الشمولي والاستبدادي، والتي تهلل لتصرفات الديكتاتوريين وتبرر لهم أفعالهم ودون مراعاة لحقوق الشعوب المغيبة، والتي لابد أن تصفق لتصرفات هؤلاء الحطام ما دام قادة الفكر يبررون أفعالهم·
وعندما تطرح مسائل جديدة على الساحة الفكرية العربية مثل مسألة السيادة الوطنية ومفاهيم حقوق الإنسان، وأطروحات حق العالم للتدخل لحماية الشعوب من قهر واضطهاد حاكمهم، عندما تطرح هذه المسائل يصرخ الكثير من المثقفين العرب داعيا لوقف تدخلات الاستعمار الجديد·· بداية يجب تحديد معنى السيادة الوطنية هل تعني السيادة سيادة الأنظمة، مهما اتسمت بالقمع والسادية ومعاداة الشعوب ومهما فقدت من شروط الشرعية الشعبية، أم هي سيادة الأوطان المحكومة بموجب دساتير وأنظمة ديمقراطية تستمد شرعيتها من خيرات شعبية لا لبس فيها؟ وبطبيعة الحال فإن الأنظمة التي تستمد شرعيتها من الانتخابات الديمقراطية لا يجب أن تخشى من تدخلات دولية، حيث إنها لابد أن تتعامل مع شعوبها على أساس الثقة، كما أنها لن تمارس القمع أو ترتكب جرائم ضد الإنسانية·· إذاً فإن الخشية والخوف من القيم الأممية الجديدة الداعية للتدخل لحماية الشعوب من جرائم الأنظمة يقتصر على تلك الأنظمة التي لا شرعية لها ولم تأت نتيجة لخيارات شعبية واضحة·
ولا شك أن بنية الاستبداد في الأنظمة القمعية لم تأت اعتباطا فهي لابد أن تكون حصيلة تراكم عادات وتقاليد وقيم استشرت في المجتمعات ذات الصلة لأمد طويل ·· ولذلك فإن الجرائم ضد الإنسانية لا ترتكب فقط على أيدي جلاوزة الأنظمة، بل أحياناً من قبل منظمات أهلية أو أحزاب خارج السلطة تحت مختلف التبريرات مثل حماية الدين والقيم، أو الانتقام من خصوم سياسيين أو مثقفين يختلفون فكرياً مع هذه المنظمات أو الأحزاب·· وهكذا حدث العديد من التجاوزات والجرائم في مصر والجزائر وغيرهما من بلدان عربية تحت مختلف اليافطات من دون أن تهب شعوب هذه الدول، بالشكل المناسب، ضد من يقف وراء هذه الأفعال وتضع حداً لتلك الممارسات الاستبداية·· وبطبيعة الحال لم تتطور معالجات الأنظمة الحاكمة لمواجهة هذه الممارسات إلا بالعنف المضاد وأساليب القمع، ولم تحاول أن تزرع روح الفكر الديمقراطي والتسامح والمقاومة المدنية لممارسي العنف·
إن التطورات الأخيرة والمتعلقة بحرية الرأي كما عبرت عنها حالتا مرسيل خليفة في لبنان والدكتور أحمد البغدادي في الكويت تؤكدان أن مجتمعاتنا العربية مازالت تأخذ الآراء بالريبة والشك وإصدار الأحكام الظالمة بشأن مواقف المفكرين من الدين والقيم·· ولابد أن هذه الوضعية تمثل إرهاباً خطيراً وتشكل تسلطاً صعباً وتعرقل أعمال الفكر المستنير· ولن نتمكن من تطوير النزعة المتسامحة ما لم يتمكن الفكر الحر من غزو الذهنية العربية، ويصبح التسامح هو الأساس للحوار والاختلاف بين مختلف المدارس الفكرية والسياسية في بلداننا العربية·· قد يكون من الصعب تصور إمكانية تحقيق أي تبدل في منظومة القيم الثقافية خلال مدى زمني قصير، إلا أن الاستمرار في بذل الجهود المضنية لإقناع أوسع الفئات سوف يمكن بعد حين من اختراق أصعب العقول المتزمتة·
ولا يقتصر أمر الديمقراطية الناقصة على مصاعب البيئة الثقافية، بل إن الدول العربية التي اختارت الديمقراطية، ولو بالشكل، مازالت تمعن في تحجيم الواقع الديمقراطي الشكلي هذا، حيث لا توجد خيارات واسعة، وليس هناك من تعددية أو أي إمكانية لتداول السلطة·· ويمتد هذا الوضع إلى كافة المنظمات والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني حيث تهيمن قيادات على زمام الأمور لأمد طويل وحتى بعد أن تبلغ هذه القيادات من العمر عتياً·· وعلى الرغم من أن شعوب العالم العربي من الشعوب الفتية التي لا تتجاوز أعمار خمسة وسبعين في المئة منها عمر الثلاثين فإن القيادات والزمر التي تقرر لهذه الشعوب قد تجاوزت الستين بمراحل·· ولا شك أنه من الصعب على مثل هذه القيادات أن تتغير أو أن تبدل في مفاهيمها في هذه المرحلة العمرية! |