| وأخيراً تفضلت إسرائيل فبعثت إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان تحيطه علما بقبولها قرارات الأمم المتحدة وعزمها الانسحاب من الشريط اللبناني المحتل في شهر يوليو المقبل إعمالا بروح ونصوص هذه القرارات، وعلى إثر ذلك سارعت وسائل الإعلام الصهيونية والغربية على حد سواء بتمجيد الخطوة الإسرائيلية وتصويرها انتصارا للقيم والمبادىء الإنسانية التي قامت عليها الدولة العبرية، واعتبارها بادرة حسن نية تبديها الدوائر الاسرائيلية في طريق السلام الشامل والعادل في المنطقة، وفي الوقت نفسه لم يغفل وزير الخارجية الاسرائيلية عن التلويح بالذراع الاسرائيلية الطويلة والقادرة على الوصول إلى أي هدف وذلك إذا استمرت المقاومة اللبنانية في التعرض لمصالح اسرائيل القومية· ومن ثم حمل ديفيد ليفي الدولة اللبنانية مسؤولية الحفاظ على الأمن الاسرائيلي بعد الانسحاب ونوه إلى مغبة ما يمكن أن تقوم به اسرائيل في حالة عدم قدرة لبنان على الحفاظ على الأمن الاسرائيلي·
الهرطقة الاسرائيلية الجديدة تتزامن مع ذكرى مذبحة قانا والتي جسدت أمام العالم "المتحضر" الوحشية المتناهية للآلة العسكرية الاسرائيلية والفكر الشوفيني للساسة الاسرائيليين· هذه الوحشية التي صبغت الفكر الصهيوني منذ بداياته الأولى على يد هرتزل، وتجلت على امتداد العالم العربي من دير ياسين إلى كفر قاسم إلى مدرسة بحر البقر إضافة إلى قرارات العقاب الجماعي بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية وفي قطاع غزة، لكن العرب، وفي خضم استسلامهم الداعر لما أسموه بالسلام تناسوا كل تلك الموبقات وسعى عدد من حكامهم منذ السبعينات إلى تطبيع العلاقات الرسمية والشعبية مع الدولة العبرية، ومع كل ذلك أعادت قانا إلى الوعي العربي والإسلامي أزلية الصراع بين الفكر العنصري الصهيوني من جانب العرب والمسلمين من جانب آخر·
الانسحاب الاسرائيلي المزمع من جنوب لبنان المحتل لم يأت بدافع إنساني أو رغبة فعلية من الساسة في اسرائيل بتحقيق السلام العادل والشامل، بل إن الانسحاب سيتم رغما عن أنف اسرائيل وفكرها الصهيوني العنصري، بعد أن أثبت إيمان المقاومة اللبنانية صموده أمام آلة الحرب الاسرائيلية وبعد أن تبين للساسة في اسرائيل أن الوحل اللبناني لا يمكن اجتيازه بسهولة· انسحاب اسرائيل المزمع دليل حي على أن دماء شهداء قانا ما زالت تفور منادية باستمرار المقاومة حتى جلاء آخر جندي اسرائيلي، وهو درس للذين لحسوا قضايا شعوبهم على موائد الاستسلام في مدريد وأوسلو وواشنطن· |