| إن الفرد في المجتمع ذكراً كان أم أنثى، له من التعاريف المفسرة والشارحة الكثير، مما تفنن وأبدع فيها الفلاسفة والمفكرون، ودعونا نركز هنا، على أحد هذه التعاريف الفعلية وهي اعتبار الفرد إنساناً حراً·
إن هاتين الكلمتين تحملان في طياتهما معاني وفلسفة عظيمة، فالإنسان هنا هو المخلوق ذو البعدين المادي الطيني، والإلهي الروحي، وهو بهذين البعدين يكون إنساناً·
أما الحرية في هذا الإنسان فتكون بالاختيار بين أحد هذين البعدين، إنها تكون بأخذ طريق يبعده عن أحدهما ويقربه ويجذبه إلى الآخر الإلهي الروحي، وهذا الاختيار يكون بواسطة أحد أهم مقومات الإنسانية وهي الإرادة، فالإنسان يختار بإرادته هو، بواسطة نفسه، فهو من يفكر··· يقرر··· يختار··· ومن ثم يبدأ مسيرته، ولا أحد غيره، ومن هذا الطريق يكون التكامل، وبعكس هذا الطريق يكون مسجوناً بغرائزه وملذاته وشهواته وذلك أيضاً بإرادته هو·
إن جموع البشر العاديين البسطاء يعيشون بأجسامهم وأرواحهم، وهي متحدة في هذه الدنيا الفانية ويطلقون على ذلك حياة، وان حصل الفراق بين الروح والجسد يقولون هذا هو الموت·
فما بال هذا الدين، يطلق على من أنهى هذا الاتحاد بإرادته وبعمله وباختياره بالحي الذي لا يموت·
إنني أعتقد ان الشهيد المضحي بهذا الرابط يمثل قمة كمال الإنسانية، ومنتهى الاستنتاج الفكري لدى الفرد البشري، فهو كإنسان في هذا المجتمع، محصور في تقرير مصيره وفي اختياره بين الطريقين والبعدين اللذين ذكرناهما سابقاً، فلنتصوره ونتخيله قبل استشهاده وهو يعيش بيننا ومن حولنا، يتفاعل ونتفاعل معه في الأطر الاجتماعية المعروفة، ثم يحدث شيء يكون كالصدمة، كالبركان·
هناك أمر أيقظه··· فكرة قرأها أو سمعها··· أمر تاريخي حدث فأيقظ وأحدث فيه هذه الصدمة وفجر فيه البركان·
هو الآن عليه أنه يختار··· لا وقت لديه··· فهناك مقدس يُنتهك، أو وطن يُغتصب، أو حرمة تُداس··· ماذا حدث؟
إن عليه أن يختار، وقد فعل، وهو الآن في مسيرته، وهو يثبت اختياره واتجاهه إلى الطريق بالعمل والكفاح والنضال، هو يعمل ويتحرك، لانه صدم واختار، فهو إذن الآن في مسيرته نحو الإلهي المقدس، نعم هو في اتجاهه إلى الكمال·
ثم تحدث وتكون التضحية بالمادي الطيني، فلقد فقد الرابط، أصبح ميتاً في نظر البشر العاديين، فها هو جسده المعطر بالدماء من غير الروح·
ان هؤلاء لا يعلمون أنه فرحٌ، سعيد، وليس حزيناً مثلهم، لأنه حقق ووصل إلى هدفه العظيم المقدس، لقد أصبح إنساناً حراً··· هو باختياره، ومن خلال مسيرته، وبواسطة تضحيته، هو ولا أحد غيره أصبح حراً··· لا يموت· |