|
أدت التحولات السياسية والاقتصادية الجارية في العالم المعاصر إلى خلق تحديات حقيقية أمام الكثير من المنظمات والأحزاب السياسية في الدول العربية، مهما كانت مشاربها الفكرية·· وتمثل قضية مشاركة المرأة في العمل السياسي وحقها في الانتخاب والترشيح للمجالس الاشتراعية وغيرها، تمثل تحدياً مهماً ربما يدفع إلى الاجتهاد·· وقد حسم الكثير من هذه المنظمات في الكثير من البلدان العربية مواقفهم بشأن هذه القضية وتبنوا الفكر المعاصر بهذا الشأن، وليس أدل على ذلك وأوضح من موقف "الإخوان المسلمين" في مصر الذين قرروا ترشيح النساء لمجلس الشعب المصري في الانتخابات المقبلة·· كما أن القيادات النسائية في حزب الإخوان في مصر لعبت أدواراً مهمة في منظمات المجتمع المدني هناك وشاركت تلك القيادات في التوعية بأهداف التنظيم السياسي بشكل متميز·· ولا شك أن هذه التطورات في فكر "الإخوان المسلمين" المصريين تعود أساساً لفكر الرواد من القادة الذين استوعبوا الفكر الحديث وتفهموا دور الرسالة الإسلامية في الحياة العربية المعاصرة·· ودون ريب أن التفاعلات الثقافية في المجتمع المصري دفعت إلى هذه التحولات الإيجابية في فكر الجماعة خلال سنوات القرن العشرين، على الرغم مما تعرضت له هذه الجماعة من اضطهاد ونفي سياسيين في ظل الأنظمة السياسية المتعاقبة في مصر·
ولا يمكن أن نقول إن الجماعات السياسية الأخرى ذات الفكر المختلف قد تطورت تجاه القضايا الثقافية والسياسية بشكل إيجابي·· هناك إشكالات مهمة في تحديد المواقف بشأن الاقتصاد وكيفية إدارة الموارد، وقضايا السلام في منطقة الشرق الأوسط أو الموقف من الدول الغربية·· لاتزال هناك اعتراضات منهجية على التحول الاقتصادي من الدور المركزي والمحوري للدولة إلى اقتصاد السوق الحر، كما أن مسألة استغلال الموارد الطبيعية من نفط وغير ذلك لاتزال، لدى الكثير من السياسيين، مسألة غير قابلة للمناقشة ويجب أن تظل حكراً للقطاع العام·· ولابد من الإقرار بأن هذه المواقف هي نتاج الفكر الاشتراكي الذي ساد لسنوات وعقود طويلة في النصف الأخير من القرن العشرين، والذي ألهم الأجيال الشابة في حقبة ما بعد التحرر والاستقلال من الاستعمار، وبعد استيلاء العساكر على السلطة في عدد من البلدان العربية الرئيسية·· هل يمكن الآن أن تتحرر العقول من هذه القيم الفكرية وتصبح أكثر مرونة وتتوفق في اتخاذ مواقف عملية تساهم في تفعيل التنمية الاقتصادية من خلال الاستفادة من قدرات القطاع الخاص الوطني ومساهمة المستثمرين الأجانب في مختلف القطاعات الاقتصادية؟
قد لا تكون هناك خيارات واسعة في عملية التطوير الاقتصادي، وربما تندفع المجتمعات العربية باتجاه التخصيص وتحرير حقوق الملكية نظراً لتواضع إمكانات القطاع العام، والحاجة للحاق بالعالم·· وقد يكون التحرر من الفكر الاقتصادي المتحجر من الأمور المقدور عليها خلال السنوات القليلة المقبلة·· لكن هل يمكن أن تتحقق تطورات في الفكر السياسي المتعلق بالتسوية السياسية النهائية في منطقة الشرق الأوسط ويتم استيعاب التحديات المطروحة على الشعوب العربية، وخصوصاً شعوب دول الطوق المحيطة بفلسطين؟ هناك إشكالية مهمة في هذا الصدد، وهي الفكر الصهيوني المتحجر في الجهة المقابلة الذي يصر على سلب الأرض ورفض الاعتراف بالحقوق المشروعة للفلسطينيين وغيرهم من العرب، مثل رفض الاعتراف بحق العودة لمن هُجّروا من ديارهم بعد نكبة عام 1948، أو اضطروا للنزوح بعد هزيمة عام 1967·· ولا شك أن المجتمع الإسرائيلي مازال منقسماً حول قضايا السلام وحقوق العرب المشروعة، وهناك جيوب يمينية متعصبة تحول دون إنجاز التسوية التاريخية المنشودة لهذا الصراع الطويل·
لكن يجب أن يقر المرء بأن علينا أن نسعد لإمكانية تحقيق سلام في المنطقة، قد لا يكون مثالياً ويحقق الطموحات العربية التي ناضلنا من أجلها خلال العقود الخمسة المنصرمة، ويتطلب ذلك من القوى السياسية الفاعلة في المجتمعات العربية أن تضع تصورات لبلدانها بعد مرحلة السلام المتوقعة·· إن أهم التحديات سوف تصبح هي بناء أوضاع سياسية جديدة تعتمد على المشاركة الشعبية الواسعة، وتطوير الإمكانيات البشرية من أجل إنجاز أعمال تنموية تنهض بالواقع الاقتصادي وتمكن من تحسين الأحوال الاجتماعية·· ويترتب على القوى السياسية، في هذه الحال، أن تحدد اجتهادات في الكثير من القضايا·· ويشمل الموقف كافة القوى، سواء كانت في السلطة أو خارجها، فمثلاً هل تقبل الأحزاب، أو القوى الحاكمة أن تمارس العمل الديمقراطي بما يسمح بتداول السلطة بشكل حقيقي ويمكن القوى المعارضة، أو التي تقع خارج السلطة، من ممارسة السلطة في ظل انتخابات حرة تتميز بالشفافية؟ كذلك هل تقبل القوى المحافظة، أو التي تدعي أنها أحزاب إسلامية، أن تمارس المرأة حقوقها السياسية دون أي قيود؟ ثم هل تقبل القوى منح الخصوم السياسيين حق المشاركة الفعلية في العمل السياسي على الرغم من الخلاف العقائدي؟
هذه الأمثلة تمثل التحديات العصرية لكافة القوى الحية في المجتمعات العربية وتتطلب التفكير العميق والواقعي، كما أن هذه القوى لابد أن تلتزم بحلول حديثة للمشكلات المزمنة في المجتمعات العربية·· لذلك لا تجوز العودة إلى العهود الغابرة في محاولة لاستكشاف حلول، هي من المؤكد غير صالحة لهذا الزمان·· إن السنوات الطوال التي مرت علينا في النصف الأخير من القرن العشرين أكدت أن القفز على الواقع وتغييب الحلول العصرية، وانتهاج الفوقية وعدم الاستفادة من تجارب الآخرين، كل هذه الأمور أكدت ضياع فرص التطور الاجتماعي والتنمية الاقتصادية·· يضاف إلى ذلك أن التعليم يتطلب تفعيلاً مهماً من أجل تخريج قيادات فكرية تستطيع أن تستوعب الأمور بطرق عصرية·· وقد تكون المشكلة الفكرية التي عانت منها المجتمعات العربية هي نتاج النظام التعليمي الذي ساد طويلاً في البلدان العربية والذي اعتمد التلقين، والذي لم يمكن من تكريس ملكة الإبداع والفكر الحر··! |