|
مرت ذكرى وفاة الرئيس جمال عبدالناصر في نهاية الشهر المنصرم لتؤكد عقم القدرة الفكرية لدينا كمثقفين عرب للاستفادة من تجاربنا السياسية،التي مررنا بها خلال العقود الخمسة الماضية·· لا يوجد هناك من ينكر الدور المهم الذي لعبه الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في مصر والعالم العربي على مدى يقارب العقدين من الزمن، لكن من المفيد تقييم التجربة التي مثلها وليس البكاء على الأطلال· كما هو معلوم أن المجتمع المصري والمجتمعات العربية الأخرى تحوي الكثير من الأفراد والجماعات الذين يعتبرون التجارب الناصرية مثالاً لابد الاحتذاء به والعمل على إحياء وإنهاض الأمة العربية على أسس تراث تلك التجربة·· لكن ما ينبغي التنبيه له أن تغييرات مهمة حدثت في مصر وفي الدول العربية الأخرى بعد وفاة الرئيس عبدالناصر، كما أن مرور ثلاثة عقود على تلك الوفاة يعني أن جيلاً جديداً أصبح في مرحلة من النضوج لم يعاصر تلك التجربة بشكل حثيث·· كما أن الذين يعانون من الحنين للتجربة الناصرية قد يكون أصغرهم سناً في مشارف الخمسين من عمره، هل يمكن أن نربط مصير الأجيال الجديدة بتجربة مجتمعية وسياسية من دون أن نمكنهم من التعرف على إيجابيات وسلبيات تلك التجربة المهمة في التاريخ السياسي العربي المعاصر؟
لابد أن الأجيال الجديدة قد اطلعت على معالم التجربة من خلال القراءة، أو أن البعض تعرف عليها، ولو سطحياً من الأفلام السينمائية المصرية القليلة التي صورت تلك التجربة إيجابياً أو سلبياً، لكن كل ذلك ينبغي أن يتم في إطار من النقد الموضوعي الذي يمكن من استشراف مستقبل أفضل· لقد حطمت الثورة الناصرية قيوداً كثيرة، أهمها قيد الاستعمار والتبعية، وأوجدت أسساً لبناء مجتمع يقوم على أسس المساواة الاجتماعية ويلغي الامتيازات الطبقية·· كذلك تمكن المصريون في ظل حكم عبدالناصر من توسيع قاعدة التعليم وتمكين أبناء الفقراء من التوصل إلى أرقى المواقع العلمية والعملية من دون محاباة طبقية·· ولا شك أن إنجازات سياسية واقتصادية مهمة تمثلت بجلاء القوات البريطانية وتحرير قناة السويس وبناء السد العالي، هذه الإنجازات حظيت بحماس شديد من المصريين وغيرهم من العرب وجعلت من عبدالناصر بطلاً قومياً· من جانب آخر فإن الثورة المصرية تصدت لإسرائيل بما يتوافق مع أماني وطموحات الأمة العربية التي عانت من نكبة قيام إسرائيل ونكبة عام 1948، على الرغم من النكسات والهزائم التي نتجت عن ذلك التصدي في عامي 1956 و1967، والمعاناة الشخصية التي واجهها المرحوم الرئيس جمال عبدالناصر من تلك المواجهات·
بيد أن المسألة لا تتوقف عند المواجهة مع الاستعمار ومحاربة التبعية، مع الاقرار بالأهمية القصوى لكل ذلك في تلك المرحلة التاريخية·· لقد سعت حكومة الثورة لإقامة نظام سياسي يختلف عن ما كان سائداً في العهد الملكي البائد، ولذلك فقد ساد مفهوم القضاء على نظام الأحزاب الفاسدة ونتج عن العداء للأحزاب قيام نظام سياسي شمولي معادٍ للتعددية والديمقراطية·· وعلى الرغم من محاولات عدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة في عام 1954 لإعادة الحياة السياسية المدنية المبنية على الديمقراطية والتعدد الحزبي إلا أن فلسفة الحكم العسكري انتصرت وأبعدت كل هؤلاء الداعين للديمقراطية من صفوف القيادة، وهكذا تكرس الحكم الشمولي الفردي منذ ذلك الوقت ولم تحظ فكرة العمل الديمقراطي بأي اهتمام، حتى بعد نكسة، أو هزيمة 1967·· ويجب أن نقر هنا أن المجتمع المصري، وكذلك المجتمعات العربية الأخرى، فقدت الكثير من الحيوية السياسية نتيجة لتغييب التعددية والحرية الفكرية، بل إن الجيل العربي الذي واكب التجربة الناصرية وعاصرها وافتتن بقيادتها مازال الكثير من أفراده يعاني من تراث الفكر الشمولي، وعدم القدرة على فهم الآخرين·
من جانب آخر فإن التجربة الاقتصادية كانت مثار ملاحظات كثيرة، من الصحيح القول إن الثورة أعادت حقوقاً مصرية كثيرة ولكن هناك الاداء الاقتصادي الذي تقهقر وهناك الأموال التي هّربت إلى الخارج، وهناك القطاع الخاص الذي عطل وهمش واستبعد·· كما أن قوانين الإصلاح الزراعي التي هدفت لتوسيع رقعة الملكية وتحقيق توزيع أكثر عدالة للأراضي الزراعية لم ينتج عنه إلا تراجع في الإنتاج الزراعي بسبب غياب الإدارة الاقتصادية المتمكنة·· وبعد تأمين البنوك والشركات وتحويلها لملكية القطاع العام ماذا نتج عن أعمال هذه المؤسسات المهمة التي أصبحت رهينة القيادات الإدارية غير المتخصصة التي تمثلت بالعساكر والذين لا يملكون خبرات في العمل الاقتصادي ولا يهمهم سوى تحسين مواردهم الشخصية والاستمرار في مواقعهم؟ أي أن الحوافز الاقتصادية تدهورت بشكل كبير في مختلف هذه المنشآت مما انعكس سلبياً على الأداء الاقتصادي العام·· وكما هو معلوم أن سعر صرف الجنيه المصري تراجع إلى مستويات قياسية مما أوجد تضخماً مهماً وارتفاعاً في كلفة المعيشة·
إن طرح هذه الحقائق السياسية والاقتصادية، التي مازال المصريون والعرب يعانون منها، لا يعني التقليل من العناصر الإيجابية في التجربة بقدر ما يهدف إلى استشراف تجارب جديدة تمكن من تعزيز دور العرب الإنساني ويمكنهم من تحسين إمكاناتهم الاقتصادية·· ولابد أن الأجيال العربية الشابة تطمح لأنظمة حكم تجعلها قادرة عن التعبير عن أمانيها بحرية من خلال ديمقراطية وشفافية سياسية متكاملة· كما أن هؤلاء يطمحون لتطوير العمل الاقتصادي بما يجعلهم آمنين على حق العمل، وأهم من ذلك توفير فرص العمل الملائمة لقدراتهم ومؤهلاتهم·· يضاف إلى ذلك لابد من التفكير بنظام التعليم والذي تكرس خلال التجربة الناصرية ومدى استيعابه لمتطلبات العصر الحديث وتطورات العلوم والتكنولوجيا والمعرفة بشكل عام·· ولا ريب أن شعوب العالم قاطبة مرت بتجارب سياسية خلال تاريخها المعاصر والقديم، وبعض هذه التجارب عزيزة عليها لسبب أو لآخر، ولكن التقيد بقيم تجارب محددة وعدم التحرر من تراثها يجعل البشر رهائن لا يستطيعون الوثوب للمستقبل بكفاءة· |