| هل سيكون الموسم السياسي الجديد الذي بدأ يوم 28 أكتوبر المنصرم موسما جديدا فعلا في نتائجه؟ لقد بدأ دور الانعقاد الثالث للفصل التشريعي الحالي لمجلس الأمة، والشعب الكويتي ينتظر حلولا لأوضاع كثيرة·· هناك جدول أعمال سياسي حافل يشمل تشريعات مقترحة وتعديلات على قوانين وبرامج إصلاح اقتصادي وإعادة نظر في التعليم الأساسي والعالي وغير ذلك من قضايا·· هل ستقوم الحكومة بالتعاون مع مجلس الأمة بإنجاز ما يتعلق بهذه القضايا أم أن الزمن سيمضي دون إنجازات تذكر، وسينشغل أطراف العمل السياسي، سواء كانوا من الحكومة أو أعضاء مجلس الأمة، بمسائل ثانوية محلية أو قضايا عربية مثل الصراع العربي الإسرائيلي أو الأوضاع المستعصية في العراق في ظل النظام الجائر الذي لا يهمه سوى إضاعة الزمن على العراقيين والخليجيين والعرب في صراعات عدمية؟ لا بد أن مثل هذه القضايا سوف تشغل سياسيينا في الكويت لحد كبير·· كما أن تأجج الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين يشكل هوى لدى بعض هؤلاء السياسيين والمنتمين لمدارس فكرية قومية أو إسلامية، ولذلك فإن القدرة على التركيز على المسائل الوطنية ستكون في أدنى مستوياتها، إذا استمرت الأحوال الملتهبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة· ولا أتصور أن هناك إمكانات واعدة لتحقيق إنجازات تشريعية كبيرة في البلاد دون أن تقوم الحكومة بمبادرات واعدة تدفع معظم السياسيين لبذل الجهد لإنجاز بعض ما يتوقعه المواطنون·
وغني عن البيان أن المعضلة الاقتصادية التي تواجهها البلاد تتمثل في عدم القدرة على مواكبة التطورات الجارية في النظام الاقتصادي العالمي حيث لا تتوفر التشريعات المناسبة ولا الإدارة المستوعبة لهذه التطورات·· ولا يزال مشروع قانون التخصيص مدرجا على جدول أعمال مجلس الأمة ولم يتم البت به، بالرغم من الحوارات الكثيرة والتعديلات التي أجريت على مسودته الأصلية، وكأن هناك معوقات أساسية تحول دون إقراره·· كذلك فإن مشروع قانون الاستثمار الأجنبي المباشر يراوح في ردهات مجلس الأمة دون تحديد للاتجاه بشأنه من قبل لجان المجلس·· وإذا استمرت الأحوال على ما هي عليه بشأن هاذين القانونين فإن العالم الخارجي سيستنتج بأن الكويتيين غير مبالين بإجراء تعديلات تشريعية على القوانين السائدة، وهم قد لا يكونوا متحمسين لجذب الاستثمارات الأجنبية للبلاد· ومما يزيد من الأمر تعقيدا هو ما يدور من جدل حول مسألة الاستعانة بالشركات النفطية العالمية لتطوير حقول الشمال، والملاحظات الكثيرة التي تطرح حول مشروع القانون المتعلق بهذه الأعمال، وكما هو معلوم فإن أهم الفرص الاستثمارية التي تجذب رجال الأعمال والشركات العالمية لتوظيف الأموال في الكويت هي تلك المتوفرة في القطاع النفطي أو في قطاع المرافق والخدمات العامة·
وإذا كان الوضع الاقتصادي يتطلب معالجات موضوعية وواقعية في البلاد فإن هناك مسائل سياسية واجتماعية يجب العناية بها سياسيا·· ومن أهم هذه المسائل قضية تعديل قانون الانتخاب بما يسمح للمرأة الكويتية من ممارسة حقوقها الدستورية في الانتخاب والترشيح والذي يمثل حجر الزاوية في إصلاح البنية السياسية في البلاد بما يعزز من المشاركة الشعبية وإضفاء صفة أكثر ديمقراطية على النظام السياسي· ولقد عجزت الحكومة خلال الموسم الماضي من إنجاز ذلك التعديل، والذي جاء بمبادرة سامية من صاحب السمو أمير البلاد، كما أن المذكرة المهمة التي تلاها الشيخ صباح الأحمد الصباح النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء في مجلس الأمة عند تقديم المرسوم الأميري القاضي بالتعديل المذكور تمثل موقفا تاريخيا واضحا لا لبس فيه ويعبر عن رؤية واضحة لمعاني الدستور ونصوصه وبما يؤكد حق النساء في المشاركة الكاملة في العمل السياسي وصياغة القرار·· لكن ما تلى ذلك من ممارسات ملتبسة وغير مفهومة عند تقديم قضايا رفعتها سيدات كويتيات بشأن حقوقهن السياسية، سواء في المحكمة الإدارية أو عند وصول تلك القضايا للمحكمة الدستورية، هذه الممارسات والمواقف من قبل محامي الحكومة، المنتدبين من الفتوى والتشريع، شكلت قلقا لدى كل المهتمين بعملية الإصلاح السياسي وتوسيع قاعدة العمل الديمقراطي في البلاد· وما نأمله الآن، أن تباشر الحكومة بطرح هذه القضية بقوة واقتدار على مجلس الأمة لإقرارها، كما أنها يجب أن تدفع هؤلاء المحامين الحكوميين عند مواجهة قضايا جديدة بشأن حقوق المرأة بالتوافق مع الرؤية الأميرية السامية، ومع نصوص وقيم الدستور الكويتي·
وإذا كان من تطور قد حصل خلال الموسم الماضي فهو ما يتعلق بمسألة "البدون" حيث إن تعديل قانون الجنسية قد أوجد بعض القواعد المعقولة لتعديل أوضاع الكثير من هؤلاء بما يتوافق مع حقائق الأوضاع الكويتية·· وإذا كان من المفرح أن يرى المرء أخوة لنا قد عانوا على مدى عقود طويلة من أوضاع صعبة قد أخذوا حقوقهم في نهاية المطاف، فإننا نأمل أن نرى نهاية لهذه المأساة الإنسانية، ولا شك أن انفتاح النظام السياسي الكويتي قد يسمح بتقبل كل الملاحظات التي أثيرت على المستوى العالمي، ويعزز المعالجات الراقية لقضايا حقوق الإنسان في البلاد، وهنا لا يغيب عن الذهن أن نؤكد دور المنظمات الفاعلة في المجتمع المدني التي تتبنى هذه القضايا دون خوف أو وجل·· وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فإن مسألة الحريات التي تشمل حقوق الفكر والتأليف والنشر يجب أن تأخذ حيزا مناسبا من اهتمام السياسيين، خصوصا إن هناك قانونا مقترحا للمطبوعات والنشر يتطلب إقرارا على أسس عصرية وبما يتوافق مع تكريس حرية التعبير والتأليف، ويلغي العقوبات المهنية التي قد يواجهها المفكرون والكتاب نتيجة لتفسير جهات كثيرة لما يطرحونه في كتاباتهم·· وقد يكون القانون المقترح من الحكومة أساسا جيدا يمكن التعديل عليه وإنجاز ما يتوافق مع متطلبات الحرية الفكرية والثقافية·
إن مجلس الأمة مطالب بأن يكون قادرا على مواجهة تحديات الإصلاح السياسي والاقتصادي في الكويت، وأن لا ينجرف لمهاترات ومناوشات لا تمكن من تحقيق ما هو منشود· كما أن على الحكومة أن تتميز بالمبادرة والقدرة على الطرح والإقناع بمسائل الإصلاح المختلفة·· وفي البلدان الديمقراطية يمثل دور الحكومة الأساس القوي لدفع عجلة التعديلات التشريعية والسياسية والاقتصادية، قد لا نكون بمستوى نفس التركيبة المؤسسية في تلك البلدان حيث تتوفر الأحزاب المنظمة والمؤسسات المهنية الفاعلة، ولكننا نملك عناصر بشرية قادرة أن تعمل على استيعاب المتطلبات الشعبية والوطنية وتمارس الدور المبادر لدفع عجلة الإصلاح·· هناك قضايا كثيرة، مثل ما أشرت، تستدعي الاهتمام والتركيز، ولا يجب أن يضيع الزمن والمجهود دون أن نرى الإصلاح في نهاية النفق·· هل سنرى تطبيقا حازما للقوانين ووقف التعديات على الحقوق العامة والخاصة، وهل سنرى تعديلات تشريعية تتيح لنا اللحاق بالعالم المتطور؟ وكيف سيكون أداء السياسيين في الحكومة والمجلس، وهل سيتوافق مع متطلبات الإصلاح وتحقيق التنمية الاقتصادية والسياسية؟ هذه الأسئلة لا شك أنها مريرة وقد لا يكون المرء متفائلا بما يمكن إنجازه، لكننا نظل ندفع فلعل وعسى أن يتحقق بعض ما هو منشود· |