| عند نشر هذا المقال تكون الكويت قد انتهت من زوبعة الاستجواب وطرح الثقة بالدكتور عادل خالد الصبيح وزير الكهرباء والماء ووزير الدولة لشؤون الإسكان·· ولا شك أن هذه الزوبعة التي استغرقت وقتا طويلا وأرهقت أعصاب السلطة السياسية والوزراء وأعضاء السلطة التشريعية لم تكن موفقة علي الاطلاق·· وإذا كان الاستجواب حقا دستوريا مشروعا يمكن لأي نائب في مجلس الأمة أن يستخدمه في سبيل إحكام الرقابة البرلمانية على أداء السلطة التنفيذية فإن من الواجب أن يكون الاستخدام مبنيا على حقائق وأسس غير قابلة للدحض· وما شاهدناه وقرأناه في هذا الاستجواب أنه كان مبنيا على وقائع غير مثبتة وعلى معلومات ناقصة وقاصرة، كما أن الظلم الذي حاق بالوزير كان واضحا وجليا للعيان·· الأنكى من ذلك أن الاستجواب وطرح الثقة خلق استقطابا مكروها في البلاد بحيث اتضح أن المستجوبين اندفعوا بشكل متطرف وكأن الكويت معسكران، هناك الفقراء والمحظيون·· ودون جدال فإن هذه التقسيمة تقفز على الواقع وعلى الحقائق الاقتصادية والسياسية في البلاد·· فكما هو معروف أن الرعاية السكنية تشمل كل المواطنين دون تمييز، وهؤلاء المواطنون يتمتعون بميزات تراكمت بفعل الاقتصاد الريعي ودون أي تحمل يذكر·· كما أن تلك الرعاية وقيم الريعية دفعت كل المنتفعين من الرعاية السكنية الى محاكاة الآخر دون الأخذ بعين الاعتبار للإمكانات الذاتية والقدرات الحقيقية لكل واحد منهم·
وغني عن البيان أن الكويتيين، جلهم، سواء كانوا من الحضر أو من يطلق عليهم تعسفا بالبدو، هم من الموظفين حيث يعمل في الحكومة ومؤسسات القطاع العام ما يزيد عن الـ 94 في المئة من قوة العمل الوطنية·· وهكذا من الصعب أن يكون هناك تمايز كبير ضمن هذه الأكثرية السكانية من المواطنين، وربما يتفاوت الدخل بفعل الأعمال الخاصة والملكيات العقارية وغيرها، والتي قد يكون قد توارثها البعض أو تحققت له بفعل الحظ والمضاربة· ولا يمكن أن نغفل حقيقة اجتماعية في الكويت وهي أن الكثير من العاملين في المؤسسات الخاصة، أو مالكيها، ينتمون لمختلف الطبقات والفئات الاجتماعية والسكانية في البلاد، وربما تكون هذه الملكيات، الكثير منها، مجرد كفالات ورخص يعمل بها غير الكويتيين·· أي بمعنى أن هناك الكثير من الأفراد قد استفاد من النظام الاقتصادي الريعي في البلاد ونظام الرعاية والدعم بما يزيد من دخله ليتمكن من زيادة الاستهلاك الشخصي والعائلي·· وهذا النظام ساعد على استمرار سوء التعامل مع الأنظمة والقوانين او التلاعب عليها، أي بمعنى أن الاقتصاد الوطني منتهك من الصغير والكبير دون محاباة من النظام السياسي، أو النظام الاقتصادي أي أن الأوضاع "Abused"·· ومن الغريب أن النظام السياسي في البلاد يتغاضى عن تلك الانتهاكات التي تمارس من مختلف الأطراف حرصا على شراء الود السياسي·· ولذلك فإن محاولات الدكتور عادل الصبيح لإيجاد نظام عقلاني وقابل للإنجاز اقتصاديا وفنيا تواجه تلك المعارضة السياسية من أعضاء مجلس الأمة الذين يسعون لإرضاء ناخبيهم·· بل إن المرء يمكن أن لا يستغرب إذا ما قامت السلطة السياسية بصرف النظر عن هذه المحاولات الجادة للإصلاح في سبيل إرضاء هؤلاء النواب وناخبيهم·
ومما يؤسف له أن يصبح المرء متشائما بشأن الإصلاح في الكويت حيث لا تبدو بوادر تذكر لدعم المصلحين أو تبني طروحاتهم من قبل السلطتين في البلاد··· كما أن عددا كبيرا من المواطنين، منهم من هو متعلم وحاصل على شهادات عالية، يعانون من قصور في الرؤية ويرون الأمور من منظار مصلحي بحت·· هل نستطيع أن نراهن على إمكانيات إنجاز إصلاحات في قطاعات اقتصادية خلال السنوات القادمة؟ إن ما يزيد الأمور تعقيدا بشأن الإصلاح أن ارتفاع أسعار النفط وزيادة الإيرادات المتأتية من النفط وتحقيق فائض في الميزانية، كل ذلك لا يدفع السلطة التنفيذية لتقديم مشروعات بقوانين لمجلس الأمة والقيام بإجراءات لإصلاح الواقع الاقتصادي في البلاد· كل ذلك يؤكد أن الاقتصاد الكويتي مبني على نظرية البرميل، أي أن الاقتصاد يظل يعتمد على النفط ولن تكون هناك إمكانيات كبيرة لتنويع القاعدة الاقتصادية، أو البحث عن موارد مالية جديدة لتعضيد موارد النفط، أو تخفيف أعباء الخزينة العامة وزيادة مساهمة القطاع الخاص· في ظل هذه الحقائق هل نتوقع ترشيدا في السياسات الاقتصادية، سواء كان ذلك في قطاع الرعاية السكنية أو في سياسات التوظيف في الحكومة أو معالجة أزمة التعليم وغيرها من مشكلات وطنية أساسها اقتصادي أو اجتماعي؟ هذه الأسئلة تفرض على السلطة السياسية في البلاد التصدي بحزم لهذه القضايا والبحث عن حلول قابلة للديمومة·· ولا بد من الاستعانة بخبرات وطنية وربما أجنبية للمساعدة في صياغة هذه الحلول الموضوعية، لكن يجب الإقرار بأن الكثير من هذه الحلول قد تمت صياغتها وبمساعدة مؤسسات عملاقة مثل البنك الدولي للإنشاء والتعمير وصندوق النقد الدولي لكنها لم توضع موضع التطبيق نظرا للخشية من ردود الفعل السياسية·
أين نذهب من هذا الواقع وكيف يمكن أن نعزز التوجهات الإصلاحية ضمن السلطة التنفيذية؟ لا يمكن أن ننجز الإصلاح دون وجود وزراء أقوياء قادرين على مواجهة العاصفة السياسية المحتملة بكل اقتدار، مثل ما فعل الدكتور عادل الصبيح·· والقوة هنا ليست عضلية أو لفظية ولكنها قوة المعرفة والعلم والأداء والتمكن من الدفاع عن السياسة الإصلاحية·· ولذلك لا بد أن تتعزز الحكومة بوزراء يشكلون فريقا متجانسا يدفع بعملية الإصلاح السياسي والاقتصادي دون هوادة· هؤلاء الوزراء يجب أن لا يقتصر عملهم، فقط، على تنفيذ إصلاحات اقتصادية، بالرغم من أهميتها، بل يجب أن يشمل إصلاح الواقع السياسي وتعزيز الديمقراطية من خلال التقدم بمشاريع قوانين لتوسيع رقعة المشاركة الشعبية مثل مشروع قانون بحقوق المرأة السياسية وحقوق الشباب الذين تجاوزت أعمارهم الثامنة عشرة في الانتخاب، وكذلك إعادة النظر بتوزيع الدوائر الانتخابية بما يلغي، الى حد كبير، التمثيل الفئوي القبلي والذي يكرسه التوزيع الحالي للدوائر الخمس والعشرين·· وبطبيعة الحال هذه الإصلاحات، بمختلف أشكالها، تتطلب استراتيجية حكومية متفق عليها وتحظى بدفاع كل الأقطاب في السلطة السياسية·· لذلك لا يجوز التهاون في مواجهة المزايدين على حقوق الشعب، ويجب أن تبذل جهود هامة لكسب دعم منظمات المجتمع المدني والقوى الحية في المجتمع الكويتي·
إن الإصلاح يتطلب مواجهة حثيثة لوقائع على الأرض ظلت هناك لأمد طويل، وهذا يجعل من عملية الإصلاح مهمة عسيرة، وإن كانت ضرورية، هل تستطيع الكويت بعد أن جربت مواجهة الاستجواب الأخير الاستفادة من زخم التعاطف الشعبي مع منصفات الإصلاح وتثمير ذلك من أجل تطوير مهمة الإنجاز دون تردد؟ لا ريب أن ذلك يعتمد على مدى قناعة السلطة السياسية بأهمية الإصلاح ومدى استعدادها لترشيد العمل الحكومي ووقف الهدر في الانفاق ووضع حد لعمليات التنفيع، وكذلك وضع حد لانتهاك الممتلكات العامة والأموال العامة والتجاوزات على القوانين والأنظمة·· قد تكون المهمة عسيرة نتيجة لمنظومة القيم الاجتماعية والسياسية والتي تسطر مبررات لكل تلك الانتهاكات، لكن إذا كانت هناك رغبة جادة في الإصلاح فيجب أن تتوفر العزيمة لإنجازها بالرغم من كل تلك العقبات الكبيرة· وإذا أردنا أن نبني وطنا جميلا متوافقا مع العصر فإن علينا أن نتحمل تبعات هذه الإصلاحات الجذرية والتي قد تؤثر على أنظمة حياتنا ومعيشتنا في الأمد القصير·· هل نريد أن نوفر حياة سعيدة لأبناء الأجيال الجديدة ونمكنهم من مواجهة الحياة على أسس عصرية؟ إذا كان الجواب بالإيجاب فلا بد أن نستمر في نضالنا من أجل الإصلاح دون تردد·· وما دمنا نطالب الحكومة ومجلس الأمة بتبني برامج إصلاح واسعة، فعلينا كأفراد ومؤسسات في المجتمع المدني أن نثابر في دعم كل الخطوات الإصلاحية، ونساعد كل من يساهم في الإصلاح، وكذلك أن نظل نطالب بالإصلاحات السياسية والاجتماعية دون تردد·· علينا أن نكون العين الساهرة من أجل الدفاع والدفع من أجل الإصلاح والتطوير· |