| استقطب موضوع الوحدة الخليجية اهتمام عدد لا بأس به من المسؤولين والمختصين في المنطقة، ولا شك أن مثل هذا الموضوع يثير ردود الفعل المتباينة·· لقد مضى على تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية ما يقارب العشرين عاما، لكن التطور المؤسسي لهذا المجلس لا يزال بعيدا من طموح المهتمين بدفع عجلة الوحدة الخليجية الى افاق رحبة·· من الصحيح القول إن مسألة الوحدة بين دول المنطقة شائكة ومعقدة، ولا يمكن تحقيقها في زمن قصير، في ظل الأوضاع المجتمعية والسياسية الراهنة، لكن هناك من الوسائل والتنظيمات التي يمكن تبنيها لدفع التنسيق والتقريب بين دول المنطقة بشكل فعال ودائم·· هناك التنظيمات الاقتصادية التي يمكن تبنيها مما يمكن من زيادة التعاون في مختلف الأصعدة الاقتصادية، كما يمكن توحيد التشريعات والنظم بما يعزز التكامل الاقتصادي ويمهد لقيام منظومة اقتصادية متكاملة لدول الخليج العربية·· فمثلا، كان من الممكن خلال العقدين الماضيين توحيد قوانين الملكية بشكل يعزز خلق الإحساس بالمواطنة الاقتصادية الخليجية، ويمكن رجال الأعمال والمهنيين والعمالة الخليجية من اكتساب ذات حقوق التملك والعمل في أي من دول المنطقة·
أيضا، في الجانب الاقتصادي هناك مسألة العملة وكيفية توحيدها، ففكما هو معلوم أن دخل دول المنطقة يتكون، بشكل أساسي، من مبيعات النفط المقومة بالدولار الأمريكي، وكان من المجدي أن يبحث بتعمق توحيد العملات الخليجية بعملة واحدة مثل الدينار الخليجي ليكون أساسا للتعامل البيني في دول المنطقة·· وكان توحيد العملة موضوعا للبحث بين محافظي البنوك المركزية، وبحث بين الفنيين في هذه البنوك، ولكن دون التقدم بمشروع جاد للتوحيد·· وإذا تم توحيد العملة، فإن المقارنات الاقتصادية تصبح أكثر سلاسة، ويمكن قياس المستويات المعيشية بشكل أفضل، وكما أن تداول الأصول في الأسواق المالية والعقارية يضحى ميسرا، ويمكن المتعاملين من المقارنة بين أسعار الأصول في كل دول المنطقة والتأكد من مدى ارتفاعها وانخفاضها عما يطرح من أصول مشابهة في دول أخرى في المنطقة·· كذلك فإن توحيد العملة سيمكن من توحيد السياسات النقدية وأسعار الفوائد ويسهل لمؤسسات ورجال الأعمال الاقتراض والحصول على التمويل من أي من المصارف في المنطقة، وذلك سوف يؤدي الى وجود بنك مركزي موحد في المنطقة·
وإذا كان هناك الكثير من الأمور التي يمكن التطرق لها في الشأن الاقتصادي، فإن المسائل السياسية تظل محورية وأساسية·· لا شك أن الوحدة الاندماجية بين دول المنطقة بعيدة المنال لأسباب كثيرة منها تفاوت الرؤية بشأن طريقة الحكم بين دولة وأخرى، لكن التطورات الأخيرة تؤكد بأن إمكانية الاندفاع باتجاه الكونفدرالية أمر محتمل·· ولا بد من الإقرار بأن كلما اتجهت الأنظمة السياسية الحاكمة في دول المنطقة نحو الانفتاح السياسي على المستوى الوطني وأرست قواعد للعمل السياسي الديمقراطي كلما تيسرت إمكانيات التجانس بين دول مجلس التعاون الخليجية·· إن التحولات الجارية في البحرين وقطر وعمان، بعد الكويت، قد عززت الآمال بإمكانية إحداث تحولات مهمة نحو الديمقراطية·· ولا بد أن يتفاءل المرء بأن السنوات القادمة ستؤكد حتمية تعزيز المشاركة الشعبية في كل دول المنطقة حيث لا يعقل، بعد تحديث بنيات المجتمعات الخليجية من خلال التعليم والعصرنة والتفاعل مع الاقتصاد الدولي، أن تظل المشاركات الشعبية محدودة الأثر والفعالية·
من جانب آخر، فإن الأخطار الأمنية التي تواجه المنطقة تتطلب توحيد الأنظمة الدفاعية وأساليب التسلح·· كذلك فإن الدول التي توفر غطاء لحماية مختلف دول المنطقة هي ذات الدول، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وبقية دول مجلس الأمن الدولي دائمة العضوية، ولذا فإنه من الممكن توحيد اتفاقيات الدفاع وأساليب تطوير القدرات الذاتية·· كل ما سبق ذكره يمكن بعد فترة من التنسيق المتواصل، من توحيد القيادات العسكرية وربما وزارات الدفاع·· وما ينطبق على الدفاع يمكن أن ينسحب على السياسات الخارجية والتي وإن ظهرت بعض التباينات فيها فهي يجب أن تتوافق تجاه الكثير من المسائل العربية والدولية·· ويجب أن لا تشكل البيانات حول المواقف من قضايا خليجية وعربية في الوقت الراهن معوقا أمام توحيد تلك السياسات على الأمد القريب، حيث إن التباينات لا تعبر عن مصالح دول المنطقة، وهي ناتجة من مواقف وأمزجة من يدير السياسات الخارجية في مختلف الدول·
إن الوصول الى صيغة للعمل المنسق والمتوافق بين دول المنطقة يتطلب، أيضا، من منظمات المجتمع المدني أن تعمل بشكل مواز ومرادف للعمل الرسمي وبشكل يتفاعل مع المواقف الرسمية وربما يعززها ويعضدها·· وغني عن البيان أن عمل هذه المنظمات الشعبية سوف يمكن من خلق رأي عام يدفع نحو الوحدة الخليجية بصيغ عملية ومكينة، كما أن هذه المنظمات سوف تتمكن، كلما زادت جرعات الديمقراطية في دول المنطقة، من التقارب في البرامج والاتجاهات الفكرية بما يفيد تجارب العمل السياسي في مختلف هذه الدول·· ويمكن لهذه المنظمات من تكوين اتحادات مهنية علي مستوى المنطقة تستطيع أن تخلق تفاعلات بين المختصين في مختلف مجالات العمل وتعزز قدراتهم المهنية والعلمية·· ودون ريب فإن ارتفاع مساهمة أبناء المنطقة في مختلف مجالات العمل سيدفع تطوير الإمكانات المهنية الخليجية ويجعل من المنظمات والنقابات أدوات فعالة في تطوير العملين السياسي والاقتصادي في بلدان المنطقة·
إن الحديث عن الوحدة الخليجية يجب أن لا يظل موسميا، وعندما تعقد قمة دول مجلس التعاون الخليجية، ولكن يجب أن يطرح المثقفون والمختصون رؤاهم ومعتقداتهم بما يمكن المسؤولين من تبني أطروحات واقعية للسير باتجاه الصيغة الوحدوية الملائمة·· وأيا كانت تلك الصيغة فإننا يجب أن نعي بأن مصيرنا أن نفكر في عالم اليوم بخلق كيان سياسي فعال يستطيع مواجهة الاستحقاقات المتوقعة في ظل العولمة وتسارع الخطى المتصاعدة نحو خلق كيانات كبرى تتنافس في الكفاءة الاقتصادية المعززة بالديمقراطية السياسية· |