| بدأت في الكويت يوم السبت الماضي فعاليات "الكويت عاصمة الثقافة العربية في عام 2001"، وقد استهلت هذه الفعاليات بمهرجان القرين السنوي الاعتيادي·· ولا شك أن مثل هذه الفعاليات تؤكد اهتماما معقولا بقضايا الثقافة·· واستنادا لتصريحات المسؤولين عن الشأن الثقافي في البلاد في المجلس الوطني للثقافة والآداب فإن هناك ألف فعالية وفعالية (1001) خلال هذا العام·· لكن ما يتبادر للذهن، وبناء على تجارب السنوات الماضية، هو مدى تجاوب الجمهور الكويتي، والعربي المقيم في الكويت، مع هذه الفعاليات؟ كذلك هناك عزوف عن المشاركة، تأكد خلال السنوات الأخيرة وتم رصده في معرض الكتاب وأدوات مهرجان القرين، نتيجة لما يذكر عن الرقابة المتشددة على الكتب وعلى الفعاليات الثقافية عموما· ولقد بدأ الشعور بالإحباط من دور هذه المهرجانات والندوات بعد أن تقدم عدد من نواب مجلس الأمة في مجلس 1996 باستجواب وزير الإعلام، الأسبق والحالي، الشيخ سعود ناصر الصباح، حول معرض الكتاب، وبعد أن تأكد خلال السنوات القليلة الماضية أن الكثير من الكتب الجادة والمتميزة قد تم منعها من الرقابة لأسباب لا ترقى لرفض مثل تلك الكتب·· وقد تبين خلال معرض الكتاب الأخير في شهر نوفمبر الماضي أن عددا من دور النشر العربية لم تشارك بسبب الرقابة المتشددة، وهناك امتعاض واضح من قبل دور النشر التي شاركت، وهي تفكر بمقاطعة معارض الكتاب القادمة في الكويت·
هذه الوضعية هل يمكن أن تساهم في تعزيز الاهتمام بأي فعالية ثقافية في الكويت؟ كما أن التشدد وعدم التسامح مع الثقافة والفكر الحر هل يمكن أن يساهم في بناء بيئة ثقافية قادرة على التواصل مع الثقافة الإنسانية··؟ لا يمكن أن نلوم القيمين على الثقافة في البلاد، فهم لا بد أن يعانوا من الوضعية السياسية المعادية للفكر والحرية الثقافية، لكن هل يمكن أن نقبل منهم التبرير لواقع مرير والسير في ركابه وتحميل البلاد تكاليف كبيرة دون تحقيق الجدوى الثقافية المنشودة؟ هل يكفي أن ندعو الكثير من الكتاب ورجال الفكر والفنانين دون أن نمكن أبناء البلاد من التفاعل الثقافي الخلاق معهم وتبادل الآراء الحرة ومناقشة إشكاليات التواصل مع الفكر الإنساني ومعوقات الثقافة في الوطن العربي؟
وإذا أردنا أن نطور الحالة الثقافية أليس من الأجدى أن نفتح البلاد أمام مختلف التيارات الثقافية، ونشجع عرض لوحات الفنانين المبدعين، ونمكن من مشاهدة الأفلام الطليعية دون رقابة تذكر؟ نحن الآن في زمن العولمة والإنترنت والتواصل السريع مع العالم، هل يمكن أن نمنع حصول أي مواطن على كتاب أو فيلم سينمائي أو شريط غنائي أو لوحة؟ أليس من المجدي أن نسمح للمواطنين بالتمتع بالثقافة داخل بلدهم، دون الشك في مقدرتهم على التمييز بين الغث والسمين؟ لقد بدت الكويت مجدبة ثقافيا خلال السنوات الماضية، وقرر الكثير من المهتمين بالتواصل مع الفكر العربي والعالمي أن يقتنوا كتبهم ومستلزمات الثقافة من خارج البلاد·· ودون ريب أن هذا الوضع الثقافي لا يتوافق مع مستلزمات الحياة الديمقراطية التي تفترض حرية الفكر والإبداع، وحرية الإطلاع·· ومن المستغرب أن يتصدى نواب في مجلس الأمة للحركة الثقافية ويحاولوا وأدها وهي التي ازدهرت في الكويت في سنوات النصف الأول من القرن العشرين وما بعده بقليل·· كيف يمكن أن نفسر هذه الظاهرة عندما يصبح النظام السياسي الذي نتج عن انتخابات حرة أكثر تشددا وإيغالا في الكبت والقمع الفكري؟
إن الثقافة والفكر يمثلان عنصرين هامين في التراث ومنظومة القيم السائدة في أي مجتمع، فهل أصبح المجتمع الكويتي متنورا لدرجة راقية تمكن من تعزيز الحرية الثقافية والإبداع الفكري؟ إن الواقع السياسي الراهن لا يوحي بالاطمئنان ولا يدفع نحو التسامح والتنوع الفكري·· وقد شهدنا خلال السنتين الماضيتين قمعا فكريا لا نظير له، ولم تشهد الكويت خلال تاريخها المعاصر مثل ذلك القمع·· ومن أهم الظواهر قمع المرأة وحرمانها من حقوقها السياسية بعد أن كرمها سمو أمير البلاد وحقق لها في مرسوم 16 مايو 1999 إمكانية المشاركة في الانتخاب والترشيح لمجلس الأمة وغيره من مجالس منتخبة، لكن مجلس الأمة رفض ذلك المرسوم وكذلك رفض مشروع القانون المعدل لقانون الانتخاب·· أكثر من ذلك رفعت دعاوى الحسبة على عدد من المفكرين والمثقفين لأسباب تتعلق بأطروحاتهم الثقافية، ومن هؤلاء الدكتور أحمد البغدادي وليلى العثمان وعالية شعيب، وكذلك رفعت دعوى على الناشر يحيى الربيعان، ناهيك عن الدعوى التي رفعت على محمد سلمان غانم·· كل هذه القضايا تؤكد بأن مسألة الحرية الفكرية لا تزال غير متأصلة في المجتمعات العربية، وهي لذلك تعطل التطور الثقافي والإبداع في مختلف المجالات·
ومهما كان الوضع الثقافي ومستوى التسامح الفكري في البلاد، فإن فعاليات العاصمة الثقافية هذا العام سوف تمثل تحديا أمام المسؤولين عن الثقافة وقدرتهم على تجاوز العقبات الهيكلية·· كذلك فإن على هؤلاء المسؤولين أن يحرروا الثقافة وأنشطتها من هيمنة الدولة، ويعززوا دور الهيئات الخاصة والأهلية ومنظمات المجتمع المدني في دعم كل نشاط ثقافي، سواء كان ذلك الدعم ماليا أو معنويا·· ويظل على السياسيين، في الجهاز الحكومي أو في مجلس الأمة، أن يثبتوا للعالم العربي أهلية الكويت لتكون عاصمة للثقافة العربية من خلال دعمهم للفعاليات التي سوف تقام، ومن خلال تسامحهم مع الفكر والتوجهات الثقافية والفنية التي سوف تبرز على مدار هذا العام· |