| حضرت في نهاية الأسبوع الماضي لقاء "منتدى التنمية الخليجي" السنوي وقد كان محور اللقاء، الذي استمر لمدة يومين، "متطلبات وتحديات التحول الديمقراطي في دول مجلس التعاون الخليجي"· ولقد طرح خلال اللقاء ثلاث أوراق عمل هي: تقييم تجربة المشاركة في دول مجلس التعاون الخليجي، والتيارات الفكرية ودورها في التحول الديمقراطي في دول مجلس التعاون الخليجي، ونحو رؤية مستقبلية لتعزيز المساعي الديمقراطية في دول مجلس التعاون الخليجي·· وقد شارك الحاضرون الذين قاربوا الخمسين، وهم من مختلف دول الخليج، شاركوا في إثراء اللقاء بالمداخلات والتعليق على الأبحاث وحددوا تصورات واقعية لعملية التحول الديمقراطي في هذه المنطقة من العالم العربي·· ولا شك أن الديمقراطية مازالت في مرحلة جنينية في بلدان المنطقة، وهي أيضاً تتفاوت بين دولة وأخرى من دول الخليج·· وإذا كانت التجربة الكويتية، والتي حظيت باهتمام كبير من قبل الحاضرين، إن كانت تلك التجربة تتسم بالحيوية فإن هناك الكثير من المآخذ والملاحظات عليها، وكما أنها تعاني من عراقيل ومصاعب ناتجة عن مستوى التطور الحضاري في البلاد·· أما التجارب الأخرى فهي مازالت في مرحلة التجربة ولا يمكن الحكم عليها إلا بعد مرور وقت كاف بحيث يتمكن الحكام والمواطنون من تحديد مسار تلك التجارب·
ماذا تعاني منه التجربة الديمقراطية في الكويت؟ كان ذلك سؤالاً محورياً، ثم ماذا يعتري تلك التجربة؟ وقد حدد عدد من المتداخلين والمحاورين معضلات التجربة الديمقراطية، ومن أهمها أن القاعدة التي تشارك في هذه التجربة محدودة عددياً حيث لا تشمل سوى الذكور الكويتيين الذين لا تقل أعمارهم عن الواحد والعشرين عاماً· ولذلك فإن المرأة مغيبة عن ممارسة حقوق الانتخاب والترشيح بالرغم من أن الدستور الكويتي الذي أقر في عام 1962 قد حرم التمييز بسبب الجنس، كما ووضحت ذلك المادة 29 من الدستور·· وقد حاول عدد من النواب التقدميين ومنذ بداية التجربة إنجاز المساواة بين الذكور والإناث في الحقوق السياسية، لكنهم جوبهوا بمعارضة شديدة من أغلبية النواب الذين يمثلون مصالح محافظة وقبلية، والبعض منهم ينطلقون من مواقف دينية مستعصية وتفسر الدين على هوى المواقف المجتمعية المحافظة، بالرغم من أن معظم الدول الإسلامية قد أقرت حقوق المرأة السياسية· كما أن أغلبية النواب رفضوا المرسوم الذي أصدره سمو أمير البلاد في مايو 1999 لإقراره الحقوق السياسية للمرأة·
من جانب آخر ذكر متداخلون في اللقاء بأن هناك العامل الديمغرافي والذي غير البلاد كثيراً خلال السنوات الأربعين وجعل منها مركزاً للتعصب القبلي والديني، ومن ثم تعطلت الحركة التقدمية التي كان يمكن أن تطور الأداة السياسي بما يكسب الديمقراطية أرضاً أكثر فساحة·· يضاف إلى ذلك توزيع الدوائر بعد تعديلها في أوائل الثمانينات جعل من مهمة النائب أن يكون مجرد مخلص لمعاملات الناخبين وأفقد عدداً كبيراً من النواب من الدور التشريعي والرقابي، ودفع آخرين منهم لتبني مواقف مترددة ومحافظة لا تزيد من المشاركة الشعبية ولا تعمل على تعديل القوانين والأنظمة بما يفسح مجالات واسعة وخصبة للحريات الثقافية والفكرية ويزيد من فعالية العمل السياسي·· وقد أضاف بعض المشاركين رأياً في أسباب تعثر التجربة الديمقراطية يعود أيضاً لغياب الأحزاب السياسية المرخصة، والتي يمكن أن يتم انتخاب ممثليها على أساس برامجها، هذا الغياب لابد أن عطل من تعزيز المشاركة في إدارة البلاد، وكرس الاختيار على أساس القدرات والعلاقات الشخصية للمرشح·
وإذا كانت تجربة الكويت تعاني من بعض الصعوبات التي، ربما، تتخلص منها على مدى السنوات والعقود المقبلة، ماذا يمكن أن نتوقع للتجارب الجديدة في دول الخليج الأخرى؟ لابد من الإقرار بأن تلك التجارب ماتزال في أطوارها الأولى، ولكنها تمكنت من معالجة بعض السلبيات في التجربة الكويتية، فمثلاً تم اعتماد حقوق المرأة في الانتخاب والترشيح في كل من عمان وقطر والبحرين·· وإذا كانت عمان قد وضعت ذلك موضع التنفيذ فإن الانتخابات البلدية والاشتراعية في البحرين وقطر سوف تمنح النساء حقوقهن الكاملة، قد لا يتحقق التمثيل المناسب للمرأة في المجالس المنتخبة في هذه البلدان كما اتضح في الانتخابات البلدية في قطر، وهامشية التمثيل كما جاءت النتائج في انتخابات المجلس النيابي في عمان، لكن يمكن البناء على هذه التجارب وربما يؤدي التطور المجتمعي إلى ازدهار المشاركة الشعبية وتمكين المرأة من تحقيق نتائج أفضل·· لكن هل سوف تسمح هذه البلدان للأحزاب من العمل بين المواطنين وترشيح ممثليهم لتلك الانتخابات، أم أنها سوف تعمل بشكل غير رسمي كما هو جار في الكويت؟ لابد أن نؤكد بأن العمل الديمقراطي يتطلب وجود هذه التنظيمات لتعمل على برمجة المطالب الشعبية بشكل مؤسسي·· ولا نعني هنا بالأحزاب العقائدية المتزمتة التي مرت بها الكثير من الدول العربية، ولكن المطلوب هو وجود أحزاب ذات برامج عصرية وأن تكون أحزاباً تتسم بالتسامح والحرية الفكرية والثقافية·
هناك مسألة مهمة في التطور السياسي لبلدان المنطقة، فإذا كان هناك من أهمية لإنجاح التجارب الديمقراطية فيجب أن يكون للشباب دور أساسي في العمل السياسي· ولا يجب أن تقتصر الحوارات حول هذه المسائل على المخضرمين والذين تجاوزوا الخمسين عاماً من أعمارهم، فكما هو معلوم فإن مجتمعات الخليج هي مجتمعات شابة حيث تبلغ من تقل أعمارهم عن الثلاثين عاماً نحو خمسة وسبعين في المئة من المواطنين·· هؤلاء يملكون المستقبل وعلينا كمفكرين ومثقفين وناشطين في العمل العام أن نفسح مجالاً واسعاً أمام الشباب ليدلوا بدلوهم ويحددوا أدوراهم واهتماماتهم، وبذلك يمكن لنا أن ندفع بالتجارب الديمقراطية نحو التقدم والفعالية· |