رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 22 ذو الحجة 1421هـ - الموافق 17 مارس 2001
العدد 1468

محنة التحضر!
عامر ذياب التميمي
tameemi@taleea.com

ما تزال أزمة الصراع العربي الإسرائيلي تمثل العقبة الأساسية في تطوير المجتمعات العربية·· وتعتبر الأنظمة السياسية أن هذا الصراع يأتي في قمة الأولويات وكل الأمور الأخرى تظل ثانوية أو تفاصيل·

هذا الوقع استمر مع العرب منذ بداية الصراع بعد أن أقيمت دولة إسرائيل في عام 1948، ودون ريب أن الكثير من القضايا ذات الصلة والمتعلقة بتطوير الدول العربية قد أهملت·· فكما هو معلوم أن مسألة المشاركة السياسية قد غيبت لسنوات طويلة سواء من قبل الأنظمة التقليدية التي كانت تحكم البلدان العربية، وبعضها ما زال قائما، أو الأنظمة التي حلت في مواقعها بفعل الانقلابات العسكرية، ولذلك فإن تحديات التحول الديمقراطي تواجه الآن ثقافة الاستبداد والشمولية والتي اعتادت عليها الشعوب العربية خلال السنوات الخمسين الماضية··· ولم تستفد المجتمعات العربية من انتشار التعليم وتوسع آفاق الإعلام ووسائل الاتصال بحيث تصبح أكثر إلحاحا على مسائل المشاركة ولعب الدور المناسب في صياغة القرارات الحيوية المتعلقة بمستقبل هذه الشعوب ذاتها·· بل إن ما حدث هو أن الاستبداد قد طغى واستقر لدى فئات واسعة في العالم العربي وهي أصبحت أكثر عنفا وعسفا من الحكومات ذاتها·

ولا شك أن البناء الاقتصادي في البلدان العربية لا بد أن يكون مسؤولا عن التركيبة الثقافية والسياسية السائدة في بلدان عربية كثيرة· هذا البنيان الاقتصادي اعتمد على فلسفة الريع وظلت الحكومات تتحمل أعباء معظم الأنشطة الاقتصادية، سواء بحكم الموقف الأيديولوجي أو بسبب الإمكانات المالية المتوفرة لديها، وبذلك لم يكن هناك دور نشط للقطاع الخاص ولم تتطور المبادرات الخلاقة لدى الأفراد أو المؤسسات·· يضاف الى ذلك أن السياسات الاقتصادية التي تبلورت خلال العقود الخمسة الماضية أدت الى تراجع الإنتاج الزراعي وإهمال المناطق الريفية مما دفع سكان تلك المناطق للهجرة الى المدن وتكوين جيوب سكانية متخلفة حول هذه المدن تدفع بعمالة هامشية رثة لا تملك أي مهارات أو قدرات حرفية نافعة· ولا بد بأن الإقرار بأن هذه الفئات السكانية عانت وما تزال تعاني من التدهور الاقتصادي ومن تراجع مستويات المعيشة أكثر من أي فئة اجتماعية أخرى، لكنها أيضا مثلت الجيش الواسع لقوى التخلف القادرة على لجم التطور السياسي والمجتمعي في أي من البلدان العربية·

إن التكوين الاقتصادي والتحولات الديمغرافية في أكثر من بلد عربي كانا من أهم الأسباب التي أعاقت عملية التمدين والاندفاع في دروب التحضر والتنمية·· ولقد ساهمت ظروف الصراع العربي الإسرائيلي والحروب العبثية التي دارت في العقود الأخيرة، وخصوصا الحرب العراقية الإيرانية والغزو العراقي للكويت وكذلك الحرب الأهلية في لبنان وغير ذلك من صراعات عسكرية، كل ذلك أدى الى هدر موارد مالية وبشرية وتراجع فرص التنمية الاقتصادية· وما لا جدال فيه أن هيمنة البيروقراطية على العمل الاقتصادي وتحكمها بالثروات الوطنية ساهما في فقدان البلدان العربية لفرص توظيف الموارد على أسس عقلانية ونافعة·· ولقد كان لتلك التطورات الأثر السلبي الذي تسبب بهجرة رؤوس الأموال الى الخارج بحثا عن فرص استثمارية أجدى وأكثر ضمانا، وتراجع مستوى المعيشة واندفاع أسعار صرف العملات الوطنية الى أدنى المستويات·· هذه الحقائق الاقتصادية لا يمكن استبعادها عند الحديث عن أزمة التطور الحضاري في الكثير من البلدان العربية·· إذ تواجه الأنظمة في الوقت الراهن نتائج تلك السياسات الاقتصادية دون أن تملك القدرة والمهارة لانتشال الأوضاع من الواقع الصعب ومن ثم الانتقال الى مرحلة الإقلاع التنموي·

هل يمكن الآن بعد تراكم هذه المعضلات الهيكلية أن تضع الأنظمة العربية الأسس الناجحة لنقل الدول العربية الى مرحلة التحضر؟ مما يزيد الأمور تعقيدا هو أن العالم الآخر انتقل الى مراحل متقدمة في التحضر والتقدم العلمي وتوسعت في استخدام الأساليب العصرية في معالجة مشاكلها·· ولا نحصر ذلك في الدول الصناعية التقليدية لأن الأمر أصبح يشمل دولا كثيرة في العالم النامي في آسيا وأمريكا اللاتينية، والى حد ما بعض الدول الأفريقية، ولذلك فإن البلدان العربية أصبحت في ذيل الدول في سباق التنمية في كل المجالات·

من جانب آخر ساهم التعليم وأساليبه والتي استخدمت في السنوات الماضية في الدول العربية في تأصيل الفكر الشمولي والتخلف الفكري حيث لم يسمح بتطوير المبادرات الخلاقة وكفاءة الإبداع والمبادرة·· من الصحيح القول إن أنظمة التعليم عالجت الأمية الأبجدية، وإن كانت نسب الأميين ما زالت مرتفعة في الكثير من البلدان العربية، كما أنها مكنت من خلق فئات مهنية تستطيع أن تساهم في العمل التنموي بشكل واثق، لكن الإطار المجتمعي لم يمكن من جعل التعليم وسيلة للتغيير المنشود·

تبقى بعد ذلك مسألة المشاركة السياسية والتي أخذت تتحرك في السنوات الأخيرة من القرن العشرين·· ولكي تكون هذه المشاركة فعالة في التمدين والتطوير فيجب أن تقوم على أسس ديمقراطية مكينة تتمثل باتساع القاعدة وتشمل كل فئات المجتمع في أي بلد عربي، وتعتمد على التعددية الفكرية وإمكانية تداول السلطة سلميا·· وغني عن البيان أن المزاج السياسي في البلدان العربية ما زال بعيدا عن مثل ذلك النموذج ويتطلب الأمر عملية تثقيف واسعة النطاق وطويلة الأمد لكي تصبح الشعوب العربية قادرة على استيعاب قيم الاختلاف والتسامح وقبول الرأي الآخر·· لكن ليس هناك إمكانات للوصول الى الأهداف دون دفع المجتمعات العربية باتجاه الديمقراطية وتحمل تبعات التجارب وأعبائها وتكاليفها السياسية·· وإذا أرادت أنظمتنا السياسية المساهمة في التعجيل للانطلاق نحو التحضر فعليها أن تساهم في دفع النظام التعليمي لمعالجة واقع التخلف الفكري والثقافي بشكل فعال·

�����
   

البرطيل في روسيا والكويت:
محمد مساعد الصالح
البحرين: عودة الحرية والديمقراطية:
د.عبدالمحسن يوسف جمال
عودة رأس المال:
د.مصطفى عباس معرفي
دبي "الحسناء":
يحيى الربيعان
الرق الجديد:
أ.د. إسماعيل صبري عبدالله
محنة التحضر!:
عامر ذياب التميمي
بين وزيرين:
سعاد المعجل
حصاد اسبوعين:
أنور الرشيد
للحروب أخلاق يجب التمسك بها:
مطر سعيد المطر
حق العودة.. قراءة هادئة:
عبدالله عيسى الموسوي
نار بوش ولا جنة صدام:
يوسف محمد البداح
العقوبات الذكية والحملة الوطنية الشعبية!:
حميد المالكي