| لم تكن نتائج مؤتمر القمة العربية مفاجأة، بل كان متوقعاً جداً أن يعجز المؤتمرون عن التوصل إلى صيغ واضحة وصريحة وجادة تجاه الإشكالات والقضايا العربية القائمة، خصوصاً ما يتعلق منها بالعلاقة الكويتية- العراقية، وقضية الانتفاضة والقدس!! لذا فقد اقتصر البيان الختامي كغيره من بيانات مؤتمرات القمة على بنود وتوصيات إنشائية بحتة مثل التمسك بالروابط القومية وأواصر الأخوة، والسعي لتعزيز التضامن العربي، وتشجيع التفاعل مع الحضارات ودعوة الجميع للسمو فوق الخلافات·· وغير ذلك من توصيات عائمة وغير محددة ولا موجهة!!
سبب فشل مؤتمر القمة الأخير عن تحقيق أي من القضايا الشاقة والمعلقة أن العرب يجتمعون اليوم في زمن ومرحلة وظروف لا يملكون فيها أن يقدموا شيئاً ولا أن يوصوا بتوصيات أو باقتراحات فاعلة وقابلة لأن تتحقق، فرفع الحصار عن العراق أو عن السودان أو ليبيا ليست بيد العرب ولا قادتهم، وتحقيق السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط أصبح شأناً وقضية دولية أكثر من كونها عربية·
أما الدفاع عن قضايا الأمة وحقوق المواطنين والتي على رأسها حقوق الإنسان العربي، فقد أصبحت أمنية عنيدة وصعبة المراس، مما دفع بذلك الإنسان العربي لأن يشد الرحال في بقاع الأرض بحثاً عن تلك الحقوق والحريات!!
إذاً لم يختلف المؤتمر العربي الأخير عن غيره من المؤتمرات على الرغم من سخونة القضايا المطروحة وحساسية المرحلة الحالية· وإن كان من ثمة اختلاف فهو في الموقف الكويتي الصلب الذي أنضجته كثيراً تجربة السنوات العشر الأخيرة، وصقلته تجربة الغزو المريرة، فكان أكثر شجاعة في الإصرار على أولوياته خصوصاً ما يتعلق منها بأمن واستقرار أهله وأرضه!!
لقد أكد موقف وفد النظام العراقي في مؤتمر القمة الأخير نوايا هذا النظام تجاه الكويت وتجاه أي مشروع أو برنامج يهدف إلى تنقية الأجواء العربية المظلمة والمتشنجة، حيث أفشل هذا النظام كل محاولات وجهود التسوية التي كان يترقبها العالم العربي بين الكويت والعراق حين أصر على المراوغة اللغوية لما يتعلق بتنفيذ جميع القرارات الدولية داعياً إلى استبدال العبارة بـ "تنفيذ قرارات" وليس "القرارات"!!
وكذلك كان احتجاج الوفد العراقي على الفقرة المتعلقة باحترام سيادة الكويت وسلامة أراضيها لكونها تطرح مشكلة، حيث اعتبر الوفد أن الفقرة التي تدعو بغداد إلى اتخاذ السياسات الكفيلة باحترام الالتزام بسيادة واستقلال الكويت تشكل اتهامات واضحة لنوايا العراق إزاء الكويت، وإذا كانت الدبلوماسية الكويتية قد حسمت ذلك من خلال إصرارها على التمسك بحقها فيما يتعلق بأبجديات أمنها واستقرارها فإنها قد نجحت كذلك في قذف الكرة العراقية في الملاعب العربية·
فالتعنت والإرهاب العراقي يحدثان هذه المرة أمام كل الوفود العربية، والتي لا نتصور بأنها تجهل ذلك السلوك العدواني لكنها لم تقف في مواجهته علانية وكما حدث في مؤتمر القمة الأخير!!
المطلوب الآن من الكويت استثمار تلك العنجهية العراقية بصورة ناضجة وسليمة، وتذكير المؤسسات السياسية العربية بطبيعة نظام بغداد الذي لا يؤتمن على قضايا مصيرية كالتي كان حضور المؤتمر بصدد نقاشها وطرحها، فالدور السياسي الذي أصبح على الكويت أن تؤديه وتلعبه هو في الإصرار على أن نظام بغداد مسؤول مسؤولية مباشرة تجاه كل ما حدث للعرب وللأمة العربية خلال العقدين السابقين من كوارث وحروب وأزمات سياسية واقتصادية!!
لقد أكد مؤتمر القمة الحالي جملة من الوقائع التي أكدها من قبل مؤتمر القمة الطارئ في العاشر من أغسطس 1990 حين عجز العرب يومها عن إقناع صدام حسين بالانسحاب من الكويت واكتفوا بإصدار بيان يشجب ويستنكر العدوان العراقي على الكويت دون أن يطرح العرب يومها تصوراتهم حول كيفية تنفيذ ذلك الشجب والاستنكار!!
وجزء كبير من عجز العرب في العام 1990 يعود ولا شك إلى افتقادهم للآليات والأدوات العربية لفك اشتباك العراق والكويت·· بمعنى آخر أن العرب يومها لم يكن لديهم ما يقدمونه لمشكلة غزو النظام العراقي للكويت!! واليوم تتكرر المأساة من جديد ومرة أخرى تدخل الكويت كعنصر رئيسي فيها، وينقسم الزعماء والقادة العرب بين مؤيد للعراق وآخر مؤيد للكويت·
وفيما العرب منشغلون تسقط من بين أيديهم كل أوراقهم· وتنهار قضاياهم الواحدة تلو الأخرى· ويتبدد الحلم العربي الكبير ليصبح مجرد مسرحية ساخرة يتفنن بعض القادة في فصولها وأزيائها·
وإلى أن تنزل الستارة على مسرح العرب الساخر سيبقى القدس محتلاً، ويبقى صدام حسين قائداً عربياً مغواراً· |