| في حماسهم للنضال الفلسطيني تختلط على العرب، ومنهم الخليجيون، المفاهيم المحددة لطبيعة الصراع مع إسرائيل·· وقد برزت في الفترة الأخيرة، وإثر تنشيط فعاليات مقاومة التطبيع بين دول الخليج وإسرائيل، برزت تناقضات بين أطراف التجمع المناهض للتطبيع حول كيفية فهم الصراع·· هناك عناصر محسوبة على تيار الإسلام السياسي التي ترى أنه استمرار للصراع بين المسلمين واليهود ومنذ بزوغ الدعوة الإسلامية ومقاومة يهود يثرب لها وما تبع ذلك من صراعات·· في الجانب الآخر يرى مثقفون خليجيون أن الديانة اليهودية هي واحدة من الديانات السماوية الثلاث التي أقرها الإسلام والتي حرص على التعامل مع اتباعها بالود والموعظة الحسنة، وأن الصراع مع إسرائيل هو نتاج للاضطهاد القومي والعنصري الذي عانى منه الفلسطينيون الذين اغتصبت أراضيهم وشرد الملايين منهم من موطنهم وحرموا من العودة إليه· كذلك يرى هؤلاء أن الصراع يجب أن يحسم حسب أسس العدالة الإنسانية ومبادئ حق تقرير المصير الذي يجب أن يتاح للفلسطينيين ممارسته دون عراقيل أو عقبات·
لكن هذا الجدل الذي يخيم على الفعاليات الخليجية المناهضة للتطبيع والداعمة لنضال الفلسطينيين يجب ألا يطغى على مهام راهنة وعاجلة، إن من أهم هذه المهام هو توفير الدعم المادي والمعنوي للمناضلين والتمكن من تطوير آليات مجدية لتوصيل الدعم المناسب لهم في خضم صراعهم مع سلطة إسرائيلية غاشمة لا تعرف الرحمة مع خصومها· ولا شك أن إمكانات إيصال الدعم المالي، بالدرجة الأولى، ليست من المهام اليسيرة حيث إن هناك من المشاكل والتعقيدات التي قد تجعلها معسرة، إن لم تكن مستحيلة في بعض الأحيان· كذلك هناك تحفظات لدى معظم الأطراف، إن لم تكن كل الأطراف، للتعامل مع السلطة الفلسطينية، وهناك شكوك حول الأمانة المالية التي تتمتع بها تلك السلطة· ولذلك فإن الكثير من الجهات الخليجية تتوسم علاقات أفضل مع منظمات المجتمع المدني الفلسطيني والمؤسسات الخيرية·· أما الجهات ذات النشاط الدعوي الإسلامي فإنها لا تجد مشكلات من خلال إيصال الدعم المالي من خلال منظمات فلسطينية مشابهة الأغراض والأهداف·
من جانب آخر برزت في الفترة الأخيرة، وبعد اشتداد الصراع وبعد ارتفاع حدة العنف الإسرائيلي وازدياد عمليات الاغتيال للناشطين الفلسطينيين، برزت دعوات من قبل كتاب ومثقفين خليجيين تطالب السلطة الفلسطينية لوأد عملية المفاوضات وتصعيد الأعمال الانتقامية وأعمال المقاومة المسلحة بشكل عام·· هذه الدعوات لا بد من الإقرار بأنها جزئيا تنطلق من حالة اليأس الذي انتاب العرب من جراء المواقف الإسرائيلية المتعنتة وعدم مقدرة الدول الكبرى، وخصوصا الولايات المتحدة، من الضغط على الإسرائيليين للقبول بشروط سلام نهائي متوافق مع المطالب الفلسطينية المشروعة وتتلاءم مع مبادئ العدالة الدولية وقيم مواثيق حقوق الإنسان، لكن هناك أيضا مثقفين خليجيين لم يؤمنوا قط بمسألة السلام ولم يعترفوا بإمكانية تحقيق السلام وفق قرارات مجلس الأمن الدولي أو قرارات الأمم المتحدة بشكل عام·
هذه الحقائق تجعلنا أمام أطراف تزايد على الأطراف الفلسطينية ذات الصلة والتي أقرت بمبادئ قيام دولتين لشعبين أو تلك الأطراف التي نادت بقيام دولة فلسطينية ديمقراطية يتعايش فيها العرب واليهود دون تفرقة ويتمتعون بذات الحقوق ويلتزمون بذات الواجبات· إن من المؤكد أن هذه المغالاة في الطروحات لن تخدم القضية الفلسطينية ولا تساهم في دعم النضال الفلسطيني الراهن أو ذلك النضال الاستراتيجي الذي اضطلع به المقاومون منذ قيام دولة إسرائيل في عام 1948·· كما أن هذه المواقف هي من نوع التزيد وعدم الإلمام بحقائق الأوضاع التي يعاني منها غالبية الفلسطينيين الذين يتعرضون بالإضافة للاضطهاد السياسي والأمني المبني على قيم عنصرية فاشية يتعرضون أيضا لمعاناة معيشية نتيجة لتدهور الأوضاع الأمنية والحرمان من العمل وتراجع المداخيل·· هل يستطيع مناضلو منطقتنا من تحقيق أوضاع مناسبة لأبناء الشعب الفلسطيني في ظل استمرار أوضاع الاحتلال للأراضي التي اغتصبت بعد حرب يونيو 1967؟
وقد لا يكون من العسير على المرء أن يزعم بأن الضعف الذي يعاني منه الفلسطينيون في خضم صراعهم وفي مفاوضاتهم مع الإسرائيليين ناجم، بالدرجة الأولى، من التدهور العربي الشامل والذي ساهمت في تكريسه الحروب العبثية الأهلية وغيرها مثل الحرب الأهلية في لبنان والحرب العراقية الإيرانية وأخيرا وليس آخرا كارثة غزو واحتلال الكويت من قبل قوات النظام الفاشي في بغداد· هل يمكن أن ننكر أن تلك الأحداث قد ساهمت في الضعف البنيوي الذي يعاني منه النظام العربي والذي لا يجعله قادرا حتى على إنجاز مفاوضات مقتدرة على الوصول الى ما يناسب نصوص القرارات الأمنية ويمكن من تنفيذها·· هل هناك من يشكك بأن عددا من الأنظمة العربية قد ساهم بحالة الوهن التي أدت الى يأس عربي شامل قد تكون نتائجه أكثر كارثية من كل المآسي العربية السابقة؟؟
إن ما يخشاه المرء من الأوضاع الراهنة هو أن تندفع الأمة العربية الى حالة من الاستقطابات المتطرفة والتي مرت بها أمم عديدة من قبل واستحوذت على تاريخها وعطلت قدراتها على التطور والتنمية· ودون ريب أن تلك الاستقطابات أخذت بالتبلور منذ زمن، حيث نجد ذلك الصراع المرير في الجزائر وهو امتد الى بلدان، تمكنت الى حد ما من السيطرة عليه، مثل مصر والمغرب وتونس والأردن·· لكن هل يمكن أن نتمكن من خلال استمرار الانتفاضة أن نحقق حلا أبديا للصراع العربي الإسرائيلي؟ لا شك أن هذا سؤال كبير ومثير للجدل، فإن الصراع تحدده عوامل عديدة من أهمها ما سوف يحدث داخل المجتمع الإسرائيلي من تطورات سياسية، فإذا كان الأمر كما هو الآن، يسير باتجاه التعصب والعنصرية والتطرف، فإن الصراع سيستمر الى زمن طويل·· أما إذا لعب العرب، واقتنع المجمع الدولي بعدالة القضية، دورا رئيسيا وإيجابيا فإن هناك ملامح للنصر!
|