|
كشفت أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية والتي تمثلت في الهجمات الإرهابية الانتحارية التي قام بها مسلمون متطرفون كيف يمكن أن يدفع التطرف العقائدي والفكري البشري لارتكاب حماقات مدمرة·· أكثر من ذلك أن هناك كماً كبيراً من الحقد والكراهية اتضح بين جماهير عربية وإسلامية تجاه الحضارة الغربية وغير المسلمين لا يمكن اعتباره منطقياً وعقلانياً·· ولم يقتصر الشأن على المحسوبين على تيار الإسلام السياسي بل تعدى ذلك إلى قوميين واشتراكيين ويساريين بالعموم، كما أن الأمر شمل عرباً من المغرب وحتى الكويت·· كيف نفسر هذه الظاهرة المشينة والتي مهما قيل بأنها نتاج للسياسات الأمريكية، والغربية عموماً، في منطقة الشرق الأوسط، على وجه الخصوص، وفي الكثيرمن البلدان العربية والإسلامية بشكل عام، مهما قيل فإن المرء يعجز عن تفسير ظاهرة الكراهية والتشفي التي برزت بعد الأحداث المشار إليها آنفاً، لابد أن هناك عناصر في منظومة القيم السائدة في المجتمعات العربية، والتي لابد أنها تراكمت علي مدى سنوات وعقود ودهور طويلة·· ومما لا شك فيه أن أي باحث جاد لابد أن يستعرض التراث العربي والإسلامي ليكشف عن الأسباب الكامنة وراء الظاهرة المذكورة·
قد تكون هناك أسس لهذه الظاهرة في التاريخ العربي والإسلامي القديم، ولكن ما يهمنا أن مناهج التعليم والثقافة في القرن العشرين أسست لنمو الحقد والكراهية تجاه الآخرين·· كما أساليب الوعظ والإرشاد الديني اسهمت لدرجة كبيرة في تنمية التوجس من أفراد الطوائف غير الإسلامية، ناهيك عن التحريض على الفئات الإسلامية الأخرى التي لا توافق بالمعتقدات مع الطائفة السائدة·· ولاشك أن الأوروبيين تعرضوا لأوضاع مشابهة في عصور الظلام، وخصوصاً العصور الوسطى، عندما كانت الكنيسة مهيمنة على الحياة السياسية والاجتماعية·· وعلى الرغم من أن معظم الأنظمة العربية، في الدول الرئيسية مثل مصر وسورية والجزائر المغرب والأردن والعراق، هي أنظمة علمانية أو شبه علمانية إلا أنها كانت تتقبل الجرعات الدينية بشل انتهازي حتى تستطيع أن تتغلب على الخصوم·· بل إن بعض الأحزاب القومية في نزاعها مع الأحزاب اليسارية الأخرى قد استخدمت الدين في النزاع من أجل سحب البساط الجماهيري من تلك القوى·
ومما يؤكد أن الكراهية ليست فقط نتاج النهج الفكري المبني على الدين بل إن التيارات العلمانية في الدول العربية،على الأقل، قد أكدت في أدبياتها العداء للغرب ولقيم الحضارة الغربية·· ولا ريب أن تعطيل التطور الديمقراطي في الكثير من البلدان العربية قد جرى على أيدي اليساريين والقوميين أكثر من الإسلاميين، وهؤلاء رأوا في الديمقراطية تحدياً لسلطانهم وطغيانهم وتفردهم في القرار والحكم·· مقابل هذا التطرف في العداء للديمقراطية الحقيقية والذي كان يغلف بأن ديمقراطيتنا تختلف بعناصرها عن ما هو سائد في الدول الأوروبية ودول أمريكا الشمالية، وأنها تعتمد على الشرعية الشعبية وغير ذلك من هراء، مقابل ذلك كان ينمو تيار محافظ يعتمد القيم الدينية منهجاً ولا يقل شمولية عن التيارات العلمانية المستبدة·· ولدي يقين بأن التراث الثقافي السائد بين ظهرانينا في الوقت الراهن ما هو إلا نتيجة حتمية لغياب الديمقراطية وعدم استيعاب قيمها من مجتمعاتنا حتى الآن·· لقد أصبح كل واحد فينا شمولي النزعة ديكتاتورياً في أي موقع يحتله، ولن تتعدل الأحوال حتى نقتنع بأن علاج أوضاعنا لن يتحقق إلا بعد أن تصبح الديمقراطية هي منهج الحياة السياسية لدينا·
قد يقول قائل إن التطورات التي حدثت في العالم خلال السنوات العشرين المنصرمة أكدت أن العرب شبه محصنين ضد الديمقراطية، حيث إن الكثير من البلدان في آسيا وأمريكا اللاتينية قد أخذت بالتوجه نحو أساليب الحكم الديمقراطي فيما عدا البلدان العربية·· تلك الملاحظة لابد أن تكون مهمة وتتطلب من المفكرين العرب تفسيرها، هل إن أنظمة الحكم المستبدة من القوة والطغيان التي لا تجعلها مضطرة للتحول نحو الديمقراطية أو إن المجتمعات العربية هي في الأساس غير معنية بما يجري في العالم ومن ثم لا تريد إنجاز التحولات التي تخدم مشاريع التحضر والتنمية والمشاركة الشعبية؟ قد نجد الإجابة على مثل هذا السؤال في ما يذكره عدد من المفكرين الاجتماعيين الذين درسوا الواقع العربي بشكل متعمق من أن الأنظمة الحاكمة أصبحت من الاستبداد والقدرة على مواجهة أطراف المقاومة، أو المعارضة، لدرجة من الصعب تطويعها، كما أن الجماهير شُبّعت بقيم مستبدة مبنية على الفكر الشمولي، سواء كان ذلك مبنياً على قيم التراث الديني أو التراث السياسي مهما كانت مدارسه·· ولذلك فإن المرء يجد أن هناك الكثير من الأطراف المجتمعية تخشى من أن أي تبدلات في الأوضاع، وحتى لو جاءت بشكل ديمقراطي، والتي قد تأتي بأنظمة أشد شمولية مما هو قائم في الوقت الراهن·
وعلى الرغم من الثروات النفطية في بلدان الخليج العربي فإن جل شعوب المنطقة تعاني من ذات التوجهات المستبدة السائدة في البلدان العربية والإسلامية·· إذا فإن هناك مأزقاً حاداً تعاني منه بلدان العرب ويستدعي الأمر القيام بدراسات معمقة للواقع المجتمعي بكل أبعاده للتعرف على الأسسباب الكامنة التي تحول دون التفاعل مع الحضارة الإنسانية والاستفادة من تطوراتها الثقافية والتقنية بشكل إنتاجي، وليس استهلاكياً، أي بمعنى التلاقح مع تلك الحضارة إيجابياً وإبراز القدرات العربية في تطوير قدرات ثقافية وإنتاجية في جميع الميادين·· ولا شك أن ذلك التفاعل الخلاق سيمكن من التقارب بين الشعوب والثقافات ويزيل عناصر الكراهية· |