| يعتقد بعض الباحثين أن الفكر القومي العربي قد تعرض لانتكاسة بعد الهزيمة العسكرية للجيوش العربية في يونيو 1967· وكما هو معلوم أن الفكر القومي العربي بدأ يتعزز منذ الثورة العربية الكبرى ضد الأتراك في العقد الثاني من القرن العشرين، لكن هذا الفكر كسب حيزا واسعا من الاهتمام الجماهيري في البلدان العربية، خصوصا بلدان المشرق العربي، بعد نكبة فلسطين عام 1948 وقيام الكيان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية·· ولقد بلغ الفكر القومي من القوة بشكل لا يقبل الجدل وتمكن من منع كل التسويات السياسية الممكنة، التي حددت بموجب قرارات الأمم المتحدة آنذاك، بما فيها قرار التقسيم عام 1947 بل أن الحكام العرب ارتعبوا من المبادرة لتحقيق السلام خلال زمن طويل امتد على أكثر من عقدين من الزمن، وقد قضى الملك عبدالله نحبه بعد اغتياله في عام 1951 نتيجة لشكوك أطراف سياسية بتوجهاته لعقد صلح مع إسرائيل·· ولا ريب أن القضية الفلسطينية شغلت كل المفكرين القوميين الذين رأوا أن فقدان فلسطين كان نتيجة للتفكك العربي وعدم توحيد الأوطان العربية في وطن واحد يعيد للأمة عزتها وعزوتها·
جاءت الانقلابات العسكرية بعد عام النكبة في أكثر من قطر عربي لتعكس طروحات قومية متعددة، لكنها، جميعها، رفعت شعارات الوحدة وتحرير فلسطين وإنجاز الاستقلال الوطني الشامل·· وقد توجت تلك الأحداث بقيام دولة الوحدة بين مصر وسوريا وانتخاب جمال عبدالناصر رئيسا لأول دولة عربية موحدة·· لكن هذا التطور المهم لم يواكبه محاولات لتفهم الأوضاع القطرية المتباينة واحتياجات الناس وطموح المنظمات السياسية الساعية لإثبات وجودها من خلال نظام سياسي يسمح بالتنوع والاجتهادات المختلفة·· نتج عن الوحدة قيام نظام سياسي شمولي ألغى كل الأحزاب والمنظمات وعزل أطرافاً مهمة في سوريا كان يمكن أن تلعب أدوارا رئيسية في تطوير الحياة السياسية·· وبعد أن كانت سوريا منذ عام 1955 دولة تقوم على أسس النظام البرلماني وحرية الأحزاب تحولت في ظل الوحدة الى دولة تحكمها الأجهزة الأمنية ونظام الحزب الواحد·· وما يجدر ذكره أن سوريا بعد الانفصال عانت من الانقلابات المتلاحقة، واستمرت في تبني النظام السياسي الشمولي الذي لم يتغير على مدار أربعة عقود من الزمن أو أكثر قليلا·
لكن ما حدث بعد عام 1967 دفع أطرافاً سياسية كثيرة الى محاولة الاستنجاد بالفكر اليساري، الماركسي تحديدا، والفكر الإسلامي السياسي، من أجل تحرير الأمة وبناء دولة تواجه الأعداء، بصرف النظر عن هوياتهم··· وما حدث أن الأطراف القومية حاولت تحوير معتقداتها الفكرية، وتبنى بعضها قيماً يسارية دفعتها الى اتخاذ مواقف متطرفة تجاوزت مواقف القوى والأحزاب اليسارية التقليدية التي تأسست في بلدان عربية كثيرة منذ عشرينات القرن العشرين· لكن هذه الأطراف اندفعت في تطرفها مما أدى الى شرذمتها وتفاوت طروحاتها الفكرية مما لم يؤهلها لتقديم برامج سياسية مقنعة لقطاعات جماهيرية واسعة· ولم تفلح الأوضاع المتردية في بلدان كثيرة تبنت الاشتراكية لجذب متعاطفين مع طروحات اليسار العربي، ولم تتمكن السياسات الاقتصادية التي تبنتها النظم العربية الشمولية، التي تأسست على معتقدات الاقتصاد الموجه، من تحقيق التنمية المستقلة وبناء اقتصادات قادرة على تحقيق النمو وتوسيع دائرة العدالة الاجتماعية·
وعندما جاء الإسلاميون بشعارات كثيرة لمواجهة الأوضاع العربية، ومن أهمها “الإسلام هو الحل”، لم يتمكنوا من تقديم برامج واقعية للتعامل مع معضلات البلدان العربية·· كما أنهم طرحوا المسألة الفلسطينية من خلال فلسفة دينية ترفض أي حلول سلمية وتتسم بعدم الواقعية والمزايدة على طروحات القوميين واليساريين·· يضاف الى ذلك أن التيار الإسلامي واجه مزايدات موازية للمزايدات التي واجهها التياران اليساري والقومي واندفعت أطراف في ذلك التيار باتجاه العنف والإرهاب لمواجهة الأنظمة مما أفقد التيار الزخم الذي كان يمكن أن يحققه من خلال الاعتدال والواقعية ومحاكاة العصر·· أيضا، طرحت التوجهات الإسلامية المتطرفة مواقف في غاية الرجعية حيث خاصمت حقوق المرأة السياسية واندفعت لتبني مواقف اجتماعية محافظة·· ولا شك أن القوى الإسلامية المعتدلة لم تبرهن على قدرتها على مواجهة هذه التيارات، وبدلا من مواجهتها بحكمة أخذت تزايد عليها وتتبنى مواقفها التي لا يمكن أن تساهم في تعزيز الدور المجتمعي والسياسي لقوى التيار الإسلامي·
إن مما لا ريب فيه أن التيارات السياسية العربية لم تستطع أن تتواصل مع قيم الحياة العصرية، وهي ما زالت بعيدة عن فهم متطلبات التنمية والتحديث في البلدان العربية· كما أن هذه القوى، بمختلف فصائلها، ما زالت تتوجس من العالم الخارجي وتسعى لاستعداء ذلك العالم من دون محاولة للحوار والتفاهم·· وإذا أرادت هذه القوى، سواء كانت إسلامية أو قومية أو يسارية، أن تحقق لها وجودا حقيقيا يساهم في تفعيل الحياة السياسية في البلدان العربية فإن عليها أن تغير من لغة الخطاب السياسي وتتبنى طروحات تتعامل مع مسائل التنمية والتحديث وتطوير أنظمة التعليم وبناء اقتصادات عصرية· كما يجب أن تولي هذه القوى مشكلات الشباب أهمية بالغة، ولا تتعامل مع الشباب كوقود في معاركها غير المتكافئة مع العالم الآخر·· هؤلاء الشباب يشكون من تعليم متواضع وانعدام لفرص العمل الحقيقية وتراجع مستويات المعيشة· كيف يمكن لهذه القوى أن تتفاعل مع هذه القضايا وبناء مجتمع سياسي عصري؟ |