| بعد انتهاء أعمال مؤتمر القمة العربي في أواخر الشهر الماضي كيف نتوقع أن يتجه الصراع العربي الإسرائيلي؟ ما إن انفضت القمة العربية، التي أعلن خلالها عن مبادرة الأمير عبدالله حول حل الصراع على أسس قرارات الأمم المتحدة، حتى اندلعت معارك طاحنة ومدمرة حيث شنت القوات الإسرائيلية هجوماً صاعقاً على مقر القيادة الفلسطينية في رام الله·· جاء ذلك الهجوم على إثر العملية الانتحارية في مدينة نتانيا الساحلية التي ذهب ضحيتها ما يقارب العشرين قتيلاً وما يزيد عن المئة جريح·· وقد يكون من أهداف تلك العملية تعطيل فاعلية قرارات القمة العربية والتخريب على المبادرة الهادفة لحل سلمي للصراع مبين على انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي العربية المحتلة في يونيو 1967 مقابل تطبيع كامل بين العرب وإسرائيل· لاريب أن توقع عدم الرد من الإسرائيليين على عملية كهذه هو ضرب من الأوهام، خصوصاً في ظل تواجد قيادة يمينية متعجرفة وحاقدة· لذلك فإن التفاؤل بحل ناتج عن مفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين في ظل الظروف الأمنية والسياسية الراهنة لا يمكن أن يكون واقعياً، وربما تزداد الأوضاع سوءاً خلال الشهور المقبلة·
وقد يكون الحل المتاح هو حل مفروض من الخارج كما يتوقع شلومو بن عامي وزير الخارجية الإسرائيلي السابق·· لكن من يستطيع أن يفرض حلاً متوازياً، هل تتمكن الولايات المتحدة من استخدام نفوذها وسطوتها السياسية لفرض حل على الإسرائيليين؟ قد لا يكون الأمر هيناً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي دفعت العقل الأمريكي للتصور أن العمليات التي تقوم بها أطراف المقاومة الفلسطينية المختلفة ضد أهداف إسرائيلية ما هي إلا تكرار للأعمال الإرهابية التي استهدفت المدنيين وغيرهم في الولايات المتحدة خلال أحداث سبتمبر· كذلك فإن اليمين الصهيوني في المجتمع السياسي الأمريكي استفاد من الأعمال الإرهابية في سبتمبر 2001 لمنح شارون وحكومته حق الرد بعنف على كل أشكال المقاومة الفلسطينية دون معارضة أمريكية تذكر·· وهكذاأصبح الخطاب السياسي في الولايات المتحدة يطالب بوقف كل أشكال المقاومة من أجل التمكن من المساهمة في استئناف محادثات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين· يبقى السؤال هو كيف يمكن تهدئة الأوضاع في ظل حصار السلطة الفلسطينية التي لا تستطيع أن تضع حداً للعمليات المتطرفة التي تقوم بها أطراف كثيرة من الفلسطينيين؟ لقد عطل شارون إمكانات هذه السلطة وجعل منها عاجزة وهدفاً من قبل قواته وهجماتها·
يظل السؤال هو كيف سيقوم العرب بشرح مواقفهم بعد إعلان مبادرة الأمير عبدالله في مؤتمر بيروت؟ هل سيتم عرضها على مجلس الأمن ليتبناها ويجعلها أساساً للحل؟ أم أنهم سيكتفون بعرضها على الولايات المتحدة لكي تدعمها، وهي قد أكدت دعمها للمبادرة منذ إعلانها وقبل انعقاد القمة؟ لكن شارون وحكومته رفضا المبادرة بعد تبنيها من القمة العربية بحجة أنها تشترط عودة اللاجئين الفلسطينيين الذين أجبروا على مغادرة ديارهم وقراهم في عام 1948·· لا جدال أن المبادرة ستكون أساساً جيداً للتفاوض حول التفاصيل، إذا ما قررت الحكومة في إسرائيل أنها عازمة على إيجاد حل سلمي ينهي الصراع ويمهد لقيام دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة·· وعلى الرغم من أن نسبة مرتفعة من الإسرائيليين قد أصبحوا مقتنعين بأن لا يمكن حسم الصراع إلا بالوسائل السلمية، وهناك عدد كبير منهم بات قابلاً لقيام دولة فلسطينية فإن مسار الصراع ونتائجه خلال الشهور الماضية قد أدت إلى استقطاب حاد في المواقف ودفعت الشارع الإسرائيلي في اتجاه اليمين المتشدد·
إن من المفارقات المهمة في الصراع العربي الإسرائيلي هو دور المجتمع السياسي في إسرائيل في دفع الحكومة هناك في اتجاه التسوية·· كما هو معلوم أن الإسرائليين هم في غالبيتهم من العلمانيين الذين يريدون أن يحيوا حياة مدنية مرفهة دون قيود عقائدية أو دينية·· في الوقت ذاته هناك قناعة لدى الغالبية أن استمرار الاحتلال سيؤدي، وفي وقت قريب جداً مثل عام 2010، أن تصبح غالبية السكان بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط من الفلسطينيين، هذا إذا لم يتم التوصل إلى حل يفصل الفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة عن إسرائيل·· هذا العالم الديمغرافي لابد أن يخيف الإسرائيليين وهم لا يمكن أن يجدوا حلاً عملياً مقبولاً لتفاديه· مهما طرحت من آراء لحذف الفلسطينيين وراء النهر في اتجاه الأردن، كما يطالب اليمينيون المتطرفون، لن يكون في الإمكان تنفيذ مثل هذا السيناريو الذي سيواجه معارضة في مختلف بلدان العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة وفي الأوساط اليهودية في مختلف المجتمعات الديمقراطية·
من جانب آخر فإن استمرار الانتفاضة وتأجج حدة الصراع لابد أن ينعكسا سلباً على الاقتصاد الإسرائيلي· لقد تمكن الإسرائيليون من بناء اقتصاد حديث وتمتعوا، خصوصاً خلال السنوات الأخيرة، بانتعاش اقتصادي جيد حيث بلغ معدل دخل الفرد السنوي 18.900 دولار أمريكي، وهو أفضل المعدلات في منطقة الشرق الأوسط، بل أفضل من معدل الدخل السنوي للفرد في الكثير من بلدان الخليج النفطية·· كما أن نوعية الحياة قد تحسنت بشكل ملحوظ حيث أصبح معدل العمر 79 سنة وارتفعت نسبة المتعلمين إلى مستويات قياسية·· لكن هذه الأوضاع الجيدة ستكون معرضة للتراجع في ظل استمرار الصراع الدامي، كما أن عدداً كبيراً من الإسرائيليين سيتساءلون حول جدوى بقائهم في البلاد·· ولقد تأثرت قطاعات اقتصادية كثيرة مثل السياحة بنتائج العنف·· يضاف إلى ذلك أن الحصار على الفلسطينيين منع الكثير من مؤسسات الأعمال من الاستفادة من العمالة الفلسطينية التي تمثل نسبة مهمة من قوة العمل في إسرائيل· هذه الحقائق الاقتصادية وغيرها من عوامل هل ستدفع مؤسسات الحكم في إسرائيل لتحكيم العقل وقبول الحل السياسي والواقعي الذي يؤدي إلى قيام دولتين لشعبين؟؟ |