| أثبت العرب في تعاملهم مع الأزمات التي واجهتهم في السنوات الأخيرة عدم تمكنهم من فهم الأحداث التي تدور حولهم أو بالقرب منهم، كما أنهم أثبتوا عدم قدرتهم على مراجعة تطورهم المجتمعي بما يمكن من إنجاز تطور تنموي معقول· كذلك ظل العرب متمسكين بأهداب المشكلات والصراعات التي يواجهونها مع الآخرين، وخصوصاً بالصراع العربي الإسرائيلي، لتفادي إصلاح الأوضاع الوطنية سياسياً واقتصادياً وثقافياً· لذلك فإن المرء يجد أن الوقت الذي تبذله الأحزاب السياسية والمنظمات المجتمعية في إبراز تلك الصراعات مع الآخرين يفوق بكثير ما يبذل في محاولة فهم المعضلات الوطنية وكيفية تجاوزها ووضع الحلول الملائمة لانتشال الأمة من حال التخلف وتدني المعيشة وتراجع نوعية الحياة··على مدى يزيد عن النصف قرن من الزمن ظل الصراع العربي الإسرائيلي هو محور الاهتمام للسياسيين وصناع القرار وبات المخدر الأساسي للشعوب العربية المغلوبة على أمرها والمقهورة في حياتها، ولم يتوصل العرب إلى نتيجة في ذلك الصراع، بل إن إدارة الصراع أضاعت الكثيرمن الحقوق العربية وتحقق للإسرائيليين انتصارات رخيصة خلال الحروب التي دارت بينهم وبين الدول العربية التي دخلت معهم في تلك الحروب مثل مصر وسورية والأردن، وعلى حساب حقوق الفلسطينيين·
ذلك الصراع همش مسائل أساسية مثل التنمية الاقتصادية والانفتاح السياسي والتطور الديمقراطي وإصلاح نظام التعليم وخلق طاقة بشرية عربية منتجة·· بل إن التحولات السياسية التي نتجت عن الانقلابات التي قادها العسكريون العرب دفعت القضايا المحورية للتطور الحضاري إلى ذيل الاهتمامات العربية·· وارتفع شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” ليصبح أساساً صالحاً لإسكات جميع المطالبات الداعية للإصلاح في مختلف المجالات· بل إن عبادة الفرد انتشرت في مختلف الأوساط المجتمعية في مختلف البلدان العربية، على الرغم من أن من تمت عبادتهم لم يحققوا إلا الهزائم على مختلف الأصعدة، العسكرية والسياسية والاقتصادية·· قاد أولئك القادة الشعوب العربية، بطريقة القطيع، وأذلوها ومرغوا مثقفيها ومفكريها في السجون وحطموا فرص التنمية الحقيقية، وأهملوا الإصلاح مما زاد من الاتكال على السلطات الإدارية المتعسفة في كل شيء وتحملت الحكومات أعباء كبيرة أثبتت الأيام أنها غير قادرة على مواجهتها·
تعاني المجتمعات العربية من ظواهر تخلف واضحة، من أهمها أن هذه المجتمعات، على الرغم من أنها وصلت للقرن الواحد والعشرين، ترتفع فيها نسبة الأمية إلى مستويات غير مقبولة بالمعايير العالمية، هناك أكثر من سبعين مليون أمي في أمة يقارب عددها من المئتين والستين مليوناً· هناك وبين غير الأميين نسبة عالية ممن لم يحصلوا على تعليم مناسب، كما أن أنظمة التعليم العام والتعليم العالي لا ترتقي إلى مصاف الأنظمة المعتمدة في بلدان كثيرة، آسيوية وأوروبية أو أمريكية، بحيث تستطيع أن تخرج متعلمين يواكبون احتياجات الاقتصاديات الحديثة أو يستطيعون استيعاب التقنيات والعلوم·· بل إن الأنظمة التعليمية لم تمكن من تطوير القدرات اللغوية للخريجين، وحتى في استيعاب أصول اللغة العربية هناك قصور مفجع·· إن الأموال الوفيرة التي جاد بها النفط لبلدان عربية كثيرة لم توظف من أجل بناء نظام تعليمي واعد يحقق للتنمية احتياجاتها من متعلمين ومهنيين في مجالات اقتصادية كثيرة·· هذا النظام التعليمي لم يخلق قاعدة من المتمتعين بالقراءة والبحث عن المعرفة·· والأنكى من ذلك أنه حتى قادة الرأي والفكر والسياسيين نادراً ما تجد بينهم من يتابع قراءة واطلاعاً من أجل استيعاب قيم فكرية حديثة أو الحصول على معلومات تفيده في الإدارة المجتمعية، أو نشر الوعي الفكري والثقافي·
وعندما يستمع المرء إلى طروحات سياسية وثقافية، خصوصاً في الآونة الأخيرة، يحسب أن العرب على وشك هزيمة كل القوى التي يعتبرونها عدوة لهم·· تلك الطروحات الصاخبة والتي تدعو للمقاطعة وتهيئة الجيوش والدعوة على الكافرين ليست وليدة اليوم فهي معروفة لدينا منذ زمن طويل، لكنها لم تحقق سوى المزيد من التقوقع والتدهور والتراجع·· عندما يطالب العرب بمقاطعة الآخرين اقتصادياً مثل وقف ضخ النفط إلى الدول الغربية، وخصوصاً الولايات المتحدة، فإنهم لا يقيسون الأمور على أسس علمية أو عقلانية بما يعني كم سيتحقق الضرر للآخرين وما الخسائر والالتزامات التي سنتحملها كعرب، ثم ما حجمنا في الاقتصاد العالمي وقيمة تجارتنا مع الآخرين، وهل يمكن للآخرين توفير بدائل لسلعتنا الرئيسية، النفط، من مصادر أخرى؟ لم يثر أحدنا سؤالاً مهماً وهو كيف يمكن أن نطور أوضاعنا السياسية والاقتصادية وعلاقاتنا التجارية مع الآخرين لكي نستطيع أن نؤثر على مختلف الأطراف في المستقبل·· أي أن المطلوب هو التفكير الإيجابي وليس السلبي للتأثير والتأثر مع العالم الخارجي·
إن العودة لواقعنا بعيداً عن التشنج والانفعال هي الأساس المعقول لتحقيق التطور· يجب أن نسعى لمعالجة مشكلاتنا السياسية التي نجمت عن غياب الديمقراطية وتحجيم المشاركة الشعبية وتهميش دور المرأة والشباب في الحياة السياسية·· كما أن هذه المشكلات تكرست على مدى العقود الماضية بسبب هيمنة العسكر والديكتاتوريات في الكثير من البلدان العربية مما عطل ملكات الإبداع والخلق في مختلف أوجه الحياة الثقافية والسياسية·· كذلك لابد من معالجة الصراع العربي الإسرائيلي من خلال حل تاريخي ينهي الأمر ويمكن الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوق الحياة الطبيعية، وبحيث لا تصبح قضيته وسيلة للابتزاز السياسي في مختلف البلدان العربية وتعطل التغيير المنشود ديمقراطياً· يضاف إلى ذلك أن الأنظمة الديكتاتورية، وعلى رأسها النظام القائم في بغداد، يجب أن تتوارى ويحل في مواقعها أنظمة ديمقراطية حقيقية تجعل من إمكانات تداول السلطة سلمياً أمراً طبيعياً، وتعمل من أجل بناء مؤسسات اقتصادية ومجتمعية تحقق التنمية المتوازنة· |