|
خرج بعض قادة التيار الإسلامي في عدد من البلدان العربية، ومن بينهم الأستاذ يوسف ندا الذي ظهر على شاشة تلفزيون الجزيرة أخيرا، وطرح مقولات لا يمكن أن يتقبلها أي عاقل وعالم بالأوضاع العربية·· تتركز مقولتهم بأن الكويت كان يمكن أن تحررها جحافل إسلامية من المتطوعين وجيوش الدول الإسلامية دون الاستعانة بالأمم المتحدة وقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية·· ولا شك أن هذا الادعاء والذي لا ينسجم مع واقع الأوضاع العسكرية إبان الاحتلال العراقي الغاشم للكويت قد طرح من قبل عدد من الإسلاميين، ومن بينهم كويتيون، في أواخر عام 1990 وقبل بداية حملة تحرير الكويت· وغني عن البيان أن هذا الطرح لا يستحق المناقشة العقلانية، وقد سبق للرئيسين المرحوم حافظ الأسد وحسني مبارك أن فندا كل هذه الطروحات والأقاويل في مؤتمر القمة العربي الذي عقد بعد أسبوع من احتلال الكويت في شهر أغسطس عام 1990 وقد ذكر الرئيسان بأن سورية ومصر، وهما القوتان العربيتان الضاربتان آنذاك، لا يمكن لهما تحرير الكويت من القوات العراقية·· بل أكثر من ذلك أن العتاد العسكري للقوات المصرية لم يكن من الممكن نقله الى الجزيرة العربية دون الدعم اللوجستي من قبل الآلة العسكرية الأمريكية·
لا شك أن هذه الطروحات التي يروجها تيار الإسلام السياسي هذه الأيام مرتبطة بما يدور في المنطقة من ترتيبات بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001·· لقد سقط نظام طالبان وأصبحت حركة طالبان ومعها تنظيم القاعدة فلولا هاربة في جبال أفغانستان وباكستان وتجري ملاحقة قياديي التنظيمين بشكل ساخن من القوات الأمريكية وحلفائها·· كذلك يتم الآن ترتيب وتهيئة العمل العسكري للإطاحة بنظام البعث الحاكم في العراق والذي تتضح يوما بعد آخر علاقاته الوشيجة مع تنظيمات الإرهاب السياسي·· ولا بد أن إنجاز التغيير في العراق بعد تصفية نظام طالبان سيضعف كل التيارات المعادية للتحديث السياسي وتعزيز التنمية الاقتصادية في المنطقة· كما أن إشاعة الحياة الديمقراطية في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وإحداث إصلاحات في الأنظمة القائمة على أسس شمولية في أكثر من بلد عربي وإسلامي، سوف تدفع المجتمعات نحو الانفتاح والتواصل مع الآخرين في المجتمعات الإنسانية وتعزز نزعة التسامح وتؤكد الاهتمام بالحريات الفكرية والثقافية·
ويؤكد عدد من علماء الاجتماع السياسي أن التنظيمات السياسية مهما اختلفت عقائدها وقيمها السياسية والثقافية تنزع نحو العنف والإرهاب عندما تفقد قدرتها على إقناع الجماهير من خلال العمل السياسي وعندما تغلق أمامها الأبواب لممارسة العمل الحر·· وقد اتجهت الأحزاب والحركات اليسارية في الكثير من بلدان الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وإفريقيا وجنوب شرق آسيا نحو العمل المسلح لسببين: إما لعدم توافر آليات الممارسة السياسية الديمقراطية في بلدانها، أو لأنها أصبحت تمثل أقلية مهمشة لا تستطيع إقناع شعوبها بمنطلقاتها العقائدية· وقد ثبت فشل العنف المسلح في الكثير من البلدان من الفلبين الى البيرو مرورا ببلدان كثيرة في مختلف القارات·· وعندما تصدت الحركات الأصولية في مصر والجزائر والباكستان لمواجهة الأنظمة من خلال الإرهاب والعنف المسلح لم تستطع أن توسع من قواعدها السياسية وانتهت الى مجموعات صغيرة وقررت أطراف منها، مثل الجماعة الإسلامية في مصر والجبهة الإسلامية للإنقاذ، التعامل مع الواقع السياسي من خلال النضال السياسي العلني وممارسة العمل من خلال آليات الديمقراطية· وربما تظل بعض هذه الأطراف متمسكة بخيار العمل المسلح ولكن الأنظمة السياسية القائمة سوف تتمكن من مواجهتها إذا أكدت تحرير أنظمتها من قوانين الطوارئ والتعسف الشمولي وتعزيز التعددية بكل أشكالها السياسية والثقافية·
لكن ما يثار الآن من قبل بعض عناصر التيار الإسلامي حول مسألة تحرير الكويت يجب أن يواجه من كل القوى السياسية في الكويت، وخصوصا من قوى التيار الإسلامي الكويتي، حيث إن الأخذ بتلك المقولات كان يعني استمرار احتلال الكويت حتى يومنا هذا·· ولحسن حظ البلاد والعباد أنه لم يصغ الى تلك الطروحات الخائبة والتي كانت ستعصف بمستقبل واستقلال البلاد لأسباب عقائدية ساذجة·· إن من أهم مهمات كل القوى الوطنية في الكويت، مهما كانت توجهاتها الفكرية، أن تؤكد التزامها بالاستقلال الوطني وتعزيز الديمقراطية بمفاهيمها الشاملة·· كما أن الممارسة الديمقراطية في البلاد تتطلب من هذه القوى أن تتفاعل مع دعوات توسيع القاعدة الانتخابية وتمكين النساء والشباب من ممارسة حقوقهم السياسية دون تعطيل·· وغني عن البيان أن الكويت بعد أن توسعت قاعدة المتعلمين من الجنسين تستحق تطويرا للحياة السياسية ودعم مؤسسات المجتمع المدني·
وإذا قدر الله وتم تحرير العراق من النظام المستبد هناك فإن منطقتنا لا بد أن تشهد تحولات مهمة سياسيا واقتصاديا وثقافيا· وهنا يأتي دور القوى السياسية وقياداتها لمواجهة استحقاقات التحولات التاريخية العتيدة· لا يجب أن تكون أجندة القوى السياسية مقتصرة على معاداة الغرب والآخرين بقدر ما يجب أن تؤهل ذاتها لمواجهة مستلزمات التنمية وتحرير المجتمعات من التزمّت والفكر الشمولي·· لقد مضى الوقت الذي كان هم المنظمات السياسية فيه هو مواجهة الأنظمة السائدة دون أن تبرمج منطلقات تمكن من إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية·· وإذا ظلت القوى تدور في مواقف لا تتعدى معاداة الغرب فهي لن تتمكن من أن تصبح أداة لبناء مستقبل واعد في بلداننا في الخليج وغيرها من بلدان عربية، إن من المهم الحفاظ على التراث والقيم ولكن لا بد من النظر في الأوضاع الوطنية واكتشاف مواطن الخلل وتقديم الحلول العصرية التي تمكن من بناء مجتمعات فعالة ومتواصلة مع الحياة الإنسانية الجديدة· |