| هل تعد خطوة الرئيس الليبي التي قرر فيها الانسحاب من جامعة الدول العربية خطوة إضعافية للجامعة أم أنها مجرد مؤشر لضعف مسبق تعاني منه هذه المنظمة الإقليمية الى درجة كبيرة تصل الى اعتقاد أعضائها بأنها - على أقل تقدير - لا تنفع ولا تضر، تماما مثل اللات والعزى؟!!
شخصيا، أميل الى الإجابة الثانية، والى أكثر منها، فإذا لاحظنا الأمور الكبرى التي كان على الجامعة أن تتدخل فيها تدخلا مباشرا وقويا ومؤثرا نجد أن تدخلات الجامعة كانت إما فاشلة، وإما سلبية لدرجة أن حدوثها كان هو المشكلة·
فمن التدخلات الفاشلة اقتصار دور الجامعة على مجرد الشجب والاستنكار - سابقا!! - فيما يخص مأساة أهلنا العرب في فلسطين المحتلة الذين يتعرضون منذ ما يربو على نصف قرن لأبشع أنواع الإرهاب الصهيوني احتلالا استيطانيا وقتلا وتشريدا وهدما وتعذيبا وتدميرا وتجويعا·
ومن تدخلات الجامعة السلبية تأييدها الظالم للعدوان العراقي على إيران، وضرب مدنييها بصواريخ سكود، واستخدام الأسلحة المحرمة دوليا ضد الإيرانيين “وليس الإسرائيليين!” لدرجة تجرؤ النظام العراقي فيما بعد على شعبه نفسه بتلك الأسلحة الكيميائية المحرمة· فلم تدافع جامعتنا “العربية” عن الإيرانيين الفرس، ولا عن العراقيين الأكراد”؟”، بما يخالف الأخلاق العربية والأخلاق الإسلامية·
فوصلنا الى ثالثة الأثافي، العدوان العراقي الظالم على بلادنا العزيزة، وتقتيل وتشريد وأسر وظلم وإذلال شعب كامل عضو فعال في جامعة الدول العربية·
وبالمقارنة مع الأوروبيين! نجد أن الدول الأوروبية الكبرى لا تقوم بهذا الفعل الفاحش مع الدول الأوروبية الصغرى المجاورة لها مثل موناكو ولوكسمبورغ، اللتين تقعان وسط دول أكبر منها حجما وأكثر منها سكانا وأقوى منها اقتصادا، ولكنها تحكم بوساطة حكومات محترمة!!
ففي أجواء هذه الغابة التي يأكل فيها القوي الضعيف في العالم العربي، ينبغي علينا أن نقف وقفة هادئة وجادة يكون هدفها هو أن نصحح هذه الأوضاع التي يركبها الخطأ من رأسها الى أخمص قدميها·
وفي هذا الإطار ذاته، على نحو محدد، لا أجد أفضل من السياسة الكويتية التي تم إعلانها - دون العمل بها! - بعد تحرير البلاد مباشرة، ألا وهي سياسة المصارحة قبل المصالحة· فأين ذهبت؟
فسياسة المصارحة هذه، تعني الرغبة في دخول عالم السياسة الحقيقي، للمرة الأولى في تاريخ العلاقات العربية البينية·
وهذه الخطوة الكويتية الجيدة - التي ماتت قبل مولدها - هي بالفعل خطوة جبارة الى الأمام في تقديري· وذلك لأنها تؤدي الى ترك سياسة “البوس والابتسامات الفارغة”، لصالح السياسة بمعناها الفعلي المتمثل في البحث عن المصالح المشتركة والمشروعة للشعوب·
ولكن “العيب” في سياسة المصارحة العربية البينية المقترحة، هو أنها تتطلب إصلاحات ديمقراطية حقيقية وجادة وقوية في الدول العربية غيرالديمقراطية، من جهة· وتعزيز الديمقراطية - خيارا داخليا استراتيجيا قاطعا - في الدول العربية العريقة في ديمقراطيتها “نسبيا” كالكويت، من جهة مقابلة·
وذلك لأن طبيعة الدبلوماسية الخارجية، وإن كان ذلك أمرا غير مستساغ، تقوم على مبدأي التجميل والمجاملة، لا المصارحة· ولذلك، فإن الديمقراطية في الداخل تعطي الدبلوماسيين فرصا طيبة في التمسك بمصالح الشعب بقوة أمام المجتمع الدولي، مع عدم التعرض لأي إحراج مع الأجانب “خصوصا الأصدقاء منهم”، باعتبار أن حجتهم الدائمة هي أن البرلمان هو الجهة النهائية التي تقبل أي أمر أو ترفضه، لأن الدولة ليست استبدادية، ولكنها تمنح الحرية للمواطنين· وهذا هو الصحيح·
فالتصحيح الديمقراطي في الداخل، يولد الصحة لأي دولة في الداخل والخارج!!
وفي المحصلة النهائية، نجد أن موقف العقيد القذافي - الذي كنا قد بدأنا به المقالة - ينبغي لنا التعامل معه على أنه فرصة جيدة لكل العرب لإعادة النظر في بعض الأوضاع الداخلية والعربية البينية الخطأ، كقضية الديمقراطية، وقضية الدفاع العربي المشترك التي ينبغي اقتصارها على القضايا العادلة فقط كالقضية الفلسطينية، دون التدافع خلف كل ناعق، وإن كان منحطا ظالما كصدام·
كما ينبغي أن يكون تنشيط الاستثمارات بين دول الجامعة ضمن أهدافها الجوهرية، وهذه النقطة تحديدا سوف نتناولها في مقالنا المقبل إن شاء الله، ولكن بصراحة!!
وفي النهاية، يا ليتنا نطبق حوار الحضارات·· العربية أولا!! |