| عندما أكتب عن أزمة لدى التيار الإسلامي لا يعني ذلك أن بقية التيارات في الساحة العربية لا تعاني من أزمة، أو أزمات، فدون شك إن التيار القومي يعاني أزمة عميقة كما أن التيار اليساري يواجه معضلة فكرية كبرى منذ سقوط النظام الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي السابق ودول أوروبا الشرقية، كذلك لا يعدم التيار الليبرالي أزمة التعامل مع عوامل وظروف المجتمعات العربية ذات الثقافة الشمولية· لكن ما دفعني للكتابة حول أزمة التيار الإسلامي هو الإرهاصات وردود الفعل التي بدرت من عدد من الكتاب بشأن نتائج الانتخابات في تركيا والتي جرت في 3 نوفمبر الجاري·· اعتقد عدد من الكتاب، ذوي التوجهات الأصولية، أن نصرا كاسحا قد تحقق للحركة الإسلامية في تركيا في نضالها المستمر مع المؤسسة العلمانية التي تتحكم في البناء المؤسسي وفي الجيش في تركيا·· بيد أن أي قراءة متأنية للانتخابات التركية تؤكد أن الناخبين في تركيا كانوا بصدد إنجاز تغيير سياسي شامل يبعد عن حكم الأحزاب التي تنتمي لليمين الوسط واليسار الوسط والأحزاب القومية المتطرفة عن ساحة الحكم بعد أن ثبت بالملموس سوء إدارتها للحكم وتجاوزاتها وفساد ساستها·· كما أن تردي الأحوال الاقتصادية وارتفاع حجم المديونية الخارجية وتدهور سعر صرف الليرة التركية وارتفاع معدلات البطالة، كل هذه العوامل لا بد أن تدفع أي مجتمع يتمتع بحرية الانتخاب للبحث عن بدائل مقنعة·
ومما لا ريب فيه أن حزب العدالة والتنمية، الذي فاز بحدود 35 في المئة من أصوات الناخبين وما يساوي 395 مقعدا في البرلمان التركي، أو ثلثي المقاعد، طرح برنامجا انتخابيا جذابا ووفر قيادات لا غبار عليها تتمتع بالنظافة السياسية والحيوية الشبابية، يضاف الى ذلك أن رجب أردوغان كان عمدة أسطنبول، قبل أن توجه له تهمة التحريض على النظام العلماني ومن ثم قضاء أربعة شهور في السجن، وتمكن في ولايته لأسطنبول من إنجاز أعمال اتسمت بالكفاءة والقدرة على مواجهة معضلات ومشكلات المدينة الكبرى المذكورة·· وإذا كان حزب العدالة والتنمية يحوي الكثير من أعضاء حزبي الرفاه والفضيلة، واللذين سبق أن صدرت أحكام قضائية عليهما لتعارضهما مع النظام العلماني التركي، إلا أن هذا الحزب يطرح خطابا سياسيا عصريا يؤكد على احترامه للعلمانية كنظام لحماية مصالح الفئات القومية والأديان وحقوق الأفراد وقيم الحرية والعدالة·· وقد أكد قادة الحزب بعد الانتخابات احترامهم لحقوق الأحزاب الأخرى في تداول السلطة بموجب الدستور التركي، كما أكدوا أنهم لا ينتمون لتيار الإسلام السياسي بأي صلة·· ولذلك فإن هذا الحزب قد يكون تطورا سياسيا يمكن من قيام أحزاب إسلامية ديمقراطية مثل الأحزاب المسيحية الديمقراطية في بلدان أوروبا الغربية·
وإذا عدنا لتيار الإسلام السياسي في البلدان العربية فإنه من المؤكد أنه يواجه أزمة حادة برزت في عقدي الثمانينات والتسعينات وتوجت أخيرا بعد أحداث 11 سبتمبر من عام 2001 الماضي، تكمن الأزمة في الخطاب السياسي والتعامل مع الأطراف السياسية الأخرى وفي الثقافة التي تؤطر القيم المجتمعية والفكرية ومن أبرز الأزمات ما يمر به تنظيم “الإخوان المسلمين” في مصر حيث هناك قوى شابة داخل التنظيم تريد أن تطور التنظيم الى حزب عصري، كما برز في محاولات تأسيس حزب الوسط، يكون قادرا على استيعاب الفكر الإنساني المعاصر ويطور من القيم التراثية بحيث يمكن أن تؤثر على الحياة العامة بشكل رشيد ودون تزمت·· لقد كان على الحكومة المصرية أن تمنح هذا التيار ترخيصا للعمل بحيث يستطيع استيعاب كل الطاقات المتجددة في حركة “الإخوان المسلمين” ومن ثم يتم استيعابها في إطار العمل السياسي المشروع في مصر· ولا بد من الإقرار بأن تنظيما شعبيا مثل “الإخوان” في مصر لا بد أن يجد له المكان الملائم في إطار العمل الديمقراطي ما دام يعمل على أسس الدستور والنظام العام·
من جانب آخر أكدت تجربة الجزائر عمق الأزمة عندما طرح قادة جبهة الإنقاذ الإسلامي بأنهم بصدد إقامة نظام الحزب الواحد بعد انتخابات عام 1992 مما دفع العسكر لوأد التجربة في مهدها·· إن التفكير السياسي الذي يستبعد الآخرين من الساحة السياسية لن يستطيع أن يعمر كثيرا، حيث إنه حتى لو فرض نظام شمولي فإن الشعوب في هذا العصر لن تتوانى عن القيام بما يعيد لها حقوقها في التعددية وحرية الأحزاب ذات المناهج المتنوعة· كما أن هذه التجربة الجزائرية كشفت عن جانب مظلم وبشع حيث ذبح الأطفال والنساء وكبار السن دون ذنب ارتكبوه، واستمرت حفلات المجازر دون توقف مما أودى بحياة أكثر من مئة ألف من الجزائريين من المدنيين والعسكريين على مدى السنوات الماضية·· ولا بد أن هذا العنف المتستر بالدين قد أكد بأن عناصر التيارات المتطرفة لا تقبل بوجود قوى مجتمعية أو سياسية تتفاوت معها بالرؤية للكثير من القضايا والأمور·· وبالرغم من أن المجتمع الجزائري يعاني من مشكلات كثيرة سياسية واقتصادية ومشكلات إثنية فإن ظاهرة العنف الأصولي تظل أهم معوقات التطور نحو الديمقراطية·
إذاً فإن التيار الإسلامي عليه أن يثبت قناعاته بالفكر الديمقراطي ويعزز ارتباطه بالقيم العقلانية ويؤسس أحزابا مبنية على الفكر السياسي المعاصر ويسترشد بالتراث الإسلامي المتسامح·· فمثلا لا بد أن يحسم الخطاب السياسي لهذا التيار مسألة حقوق المرأة السياسية، وكيف يمكن التعامل مع النساء باحترام دون استخفاف وتهوين من دورهن في الحياة الاقتصادية والسياسية·· أما التشبث بمسائل مثل منع الاختلاط ورفض الحقوق السياسية والإيحاء بأن المرأة عورة أو أنها لا يمكن الوثوق بقدراتها الذهنية، هذه الطروحات لا يمكن أن تخلق قيما سياسية ملائمة· كذلك إن الاستمرار بالعداء للغرب والحضارة الغربية ليس إلا موقفا سلبيا، ولا بد من التعرف على القصور الذي ينتاب مجتمعاتنا من حيث تدني العطاء والإنتاجية والاتكالية المفرطة وتقديس القدرية، وكأن الإنسان لا يمكن أن يكون مبادرا وقادرا على العطاء·· ثم بعد ذلك يجب التواصل مع الغرب، والآخرين، من أجل الاستفادة والانتفاع من تجاربهم الثرية· |