| كثير منا يقوم بفهم هذه الديانة الإسلامية العظيمة على أنها مجرد طقوس عبادية خالية من المضامين الاجتماعية والاقتصادية والنفسية وحتى السياسية·
هذه مقدمة ربما كان لها أهمية في تقييمنا لما سنطرحه من أمر يتضمن ظلما فادحا لدرجة أنه قد يجعل صيامنا في هذا الشهر الفضيل دون أجر إلهي إذا كنا نستطيع الدفاع عن أصحاب هذه المظلمة الخطيرة دون أن نفعل شيئا في وسعنا عمله·
وهي مشكلة كنت أفكر كثيرا في طرحها صحافيا من قبل، بيد أن ما جعلني أزداد تصميما هذه المرة هو الظلم المضاعف، على أخطر شكل يمكن تخيله، الذي يقع على شريحة من البشر تعيش بيننا، نتعامل معهم على نحو يومي، وهم شريحة عمال وعاملات النظافة و”البوفيه” في مختلف الوزارات والمؤسسات والهيئات الحكومية·
سأبدأ كلامي بالتحدث عن المشكلة العامة لهذه الفئة، وهي أن الحكومة “تريد”، ولسبب غامض اسألوها هي عنه، لهؤلاء البشر البسطاء أن يأخذوا رواتبهم عبر وسطاء!! من مصاصي الدماء من النخاسين·
وفي سبيل ذلك الهدف غير الشريف يقوم أولئك “الوسطاء” بدفع الحكومة دفعا الى ارتكاب تلك الجريمة بحق أولئك المستضعفين، فالوسطاء - وكثيرا ما يكونون متنفذين ديلوكس! - لا يريدون أن يظهروا بالصورة وهم، وفي سبيل مصالحهم غير المشروعة، لا يبالون بسمعة الحكومة أمام الشعب، ولا بسمعة الكويت الخارجية عندما تعود جحافل المظلومين الى بلدانها!!
وما دمنا نعيش في دولة مؤسسات، أو هكذا نسمع في إعلامنا الذي لا نستفيد إلا إذا شاهدنا غيره!، فأنا أدعو حكومة دولة الكويت، ومجلس الأمة إذا كانت الحكومة ممتنعة عن إبداء الرغبة في حل المشكلة، الى أن يستلم الجميع، من الوزراء الى الفراشين، رواتبهم مباشرة من الحكومة، “وأنا شخصيا أفضل التدخل التشريعي، لا الرقابي فقط”·
وربما كان السؤال الغريب الذي يقفز بإلحاح هو: لماذا الوسطاء؟ وهل هذه الشركات الوسيطة تبذل مجهودا خرافيا في البحث عن علماء كبار لا تتمكن حكومتنا المسكينة أن “تستوردهم” بمجهودها الفردي؟ يا جماعة، لو نزلتم الى إحدى البلدات أو القرى الآسيوية فستجدون بغيتكم دون أدنى جهد!!
هل نعلم جميعا أن الوسطاء أولئك يأخذون من الحكومة مئة دينار شهريا عن كل عامل، ويدفعون له ما لا يزيد عن عشرين دينارا شهريا؟ هل لدى الحكومة الشجاعة الكافية للاعتراف بعلمها بذلك؟
وهل نعلم أن أولئك الوسطاء واسعي الذمة لا يدفعون أصلا إلا متأخرين؟ مرة كل ثلاثة أشهر، أو مرة كل ستة أشهر·· الخ، فعندما يكون لدى كل وسيط ألف عامل أو أكثر·· فإن الفوائد البنكية أيضا تسّيل لعابه!!
أما فيما يخص المشكلة الخاصة جدا التي دفعتني دفعا الى الإسراع في نشر هذه المقالة فهي - ويا لسوء حظ الفقراء الذين يعيشون معنا!! - أن هؤلاء العمال لن يقبضوا رواتبهم، المسروق معظمها أصلا، عن شهر رمضان بالذات؟!، بحجة أن البوفيه لا يقدم الشاي والقهوة للمترفين في شهر الصيام!!
فهل سوف يستغني هؤلاء المستضعفون عن طعامهم وشرابهم في ليالي هذا الشهر الفضيل؟
وهل سوف تتوقف كل مصاريفهم الأخرى بحجة أننا في الشهر الذي لا تقدم فيه خدمات البوفيه؟
والأهم من كل ذلك، وبكل صراحة، هل تقبض هذه الشركات الوسيطة شيئا عن عمال البوفيه في رمضان “فتحتفظ” به لنفسها؟ أم أن الحكومة هي “ساس البلا”!!
هذا سؤال نوجهه للسلطة التنفيذية، مع ضرورة متابعة السلطة التشريعية - الرقابية للجواب للتعامل معه وفقا لما يجب!
dr_j_alrasheid@hotmail.com |