| لابد أن موضوع “التنمية الإنسانية” قد شغل حيزا من تفكير المثقفين في البلدان العربية، خصوصا بعد صدور تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي U.N.D.P. حول “التنمية الإنسانية في العالم العربي”، خلال العام المنصرم، ولقد حضرت خلال الفترة من 17-16 يناير “كانون الثاني” الجاري اجتماع “منتدى التنمية” الخليجي، والذي يعقد مرة كل عام، وكان موضوع اللقاء هذا العام “التنمية البشرية في دول مجلس التعاون الخليجية”·· قدمت أربع أوراق بحثية خلال اللقاء وتركزت حول الأبعاد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية··
ومما لا شك فيه أن جهود الباحثين في الأوراق المقدمة كانت واضحة واعتمدت على تقارير أممية وإقليمية وعربية وعلى بيانات وإحصاءات متاحة، كما أن هؤلاء الباحثين بذلوا جهدا خلال عرض الأوراق لتوضيح حقائق التنمية البشرية في دول الخليج والصعوبات والمحددات التي تحول دون إنجاز تقدم ملموس في هذه الجهود الحكومية والمجتمعية·· إن ما لاجدال فيه أن عملية التحديث في هذه الدول مازالت محدودة الأثر، كما أنها لم تبدأ إلا في مطلع الخمسينات من القرن العشرين، أي أنها حديثة ولا يمكن أن تنجز تغييرات أساسية في هذا المدى الزمني القصير في ظل عقبات تراثية وبنيوية واقتصادية·· بل، ربما، يمكن أن يزعم المرء أن التحولات السياسية والمجتمعية خلال السنوات العشرين الماضية قد عرقلت عملية التحديث على الرغم من التحولات الكبيرة في مجالات التقنية والاتصال، والإعلام في العالم والتبدلات السياسية التي جرت في مناطق كثيرة من العالم·
يجب أن نعي بأن نتائج اكتشاف النفط والتمتع بإيراداته لم يساهما في خلق بنية اقتصادية عصرية تعتمد على مواطني دول الخليج في أعمال وأنشطة اقتصادية متنوعة·· وظلت إيرادات النفط تغذي الإنفاق الحكومي الذي أصبح المحرك الأساسي لكل الأنشطة الاقتصادية في معظم، إن لم يكن كل، دول مجلس التعاون الخليجية·· قامت هذه الدول بالإنفاق على التنمية البشرية متمثلة بالتعليم والعلاج الصحي والرعاية الاجتماعية، لكنها في ذات الوقت لم تتمكن من تطوير منظومة قيم تحدد حقوق وواجبات المواطنين·· بل إنه بدلا من تحفيز المواطنين للعمل في مختلف المجالات الاقتصادية، والإنخراط في المهن والحرف الأساسية اندفعت إلى جلب العمالة الوافدة للتصدي لكل المهام الهامشية والأساسية في اقتصاداتها من الخدمة المنزلية إلى مهن تقنية عالية في قطاع النفط والمرافق الخدمية الأساسية، ناهيك عن مهن التعليم والعلاج الطبي، في ذات الوقت انخرط المواطنون في هذه الدو الخليجية في الأعمال السهلة والميسرة، التي لا تتطلب مجهودا يذكر ولا تحفز جهودا ذهنية وبدنية·
لكن هذه الدول مقابل الإنفاق الريعي على رفاهية المواطنين لم تمكنهم من نيل حقوق سياسية محددة في صناعة القرار على مستويات الحكم والإدارة·· وربما كانت تجربة الكويت هي الأولى حيث بدأت في مطلع الستينات من القرن الماضي إلا أنها قيدت بنظام انتخابي قصر حقوق الانتخاب والترشيح على الذكور من المواطنين، الذين لا تتجاوز نسبتهم من الكويتيين في الوقت الراهن أكثر من خمسة عشر في المئة، كما أن حق التنظيم وإقامة الأحزاب مازالا محظورين، بالرغم من عدم وجود قيد دستوري على ذلك· معنى ذلك أن قطاع النساء بأكمله وقطاع واسع من الشباب الذين تقل أعمارهم عن الواحد والعشرين عاما محرومون تماما من ممارسة الحقوق السياسية··
بيد أن المرء يجب أن يؤكد بأن تجربة الممارسة الديمقراطية في الكويت قد خلقت قوى سياسية متنوعة تجتهد على أسس من القيم الفكرية المتنوعة، إسلامية وقومية وديمقراطية ليبرالية ويسارية·· لكن هذه القوى مازالت بعيدة عن إمكانية تأطير واسع لأفراد المجتمع، حيث مازال مجلس الأمة يعج بالمستقلين من الأعضاء والذين يبنون مواقفهم السياسية على ضوء المصالح الانتخابية في دوائرهم·· يضاف إلى ماسبق ذكره أن المواطنين يعتنون أكثر بالقضايا المعيشية وحقوقهم التي اكتسبوها بموجب الإنفاق الريعي دون إبراز اهتمام واضح في قضايا الشأن العام مثل حماية المال العام والتطوير الديمقراطي أو حماية حقوق الإنسان ودور المرأة·
كيف يمكن تحقيق التنمية الإنسانية في دول الخليج في ظل المحددات السياسية والتعليمية والاجتماعية التي تراكمت على مدى نصف قرن من الزمن؟ هناك تحديات أمام الحكومات ومنظمات المجتمع المدني والقوى السياسية الموجودة في الساحة، ومن أهم هذه التحديات: كيفية استيعاب المتغيرات الجارية في العالم من اقتصادية وفكرية وثقافية·· وجدت أنظمة الحكم في المنطقة، بعد أحداث الحادي العشر من سبتمبر 2001، أن هناك إمكانيات لخلق بؤر من التوتر والعنف والإرهاب، قد يحدث بعض منها في دول المنطقة وقد يصدر البعض الآخر في الخارج، كما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية، لكن الأنظمة والمجتمعات الخليجية ستظل مسؤولة عما حدث وما سيحدث، إذا لم تقم ببذل جهود لتطوير واقع سياسي يعمل على مواجهة الاحتقانات والتوترات والنزاعات العنيفة لدى قطاعات شابة·· يعتقد البعض أن النظام التعليمي يتحمل مسؤولية مهمة، وهناك من يرى بأن تقلص فرص العمل والتدرج في السلم يتحمل جزءا من هذه المسؤولية مما يتطلب إنجازات في الجانب الاقتصادي·
لكن تظل المسؤولية كبيرة إذا أخذنا بنظر الاعتبار الواقع الديمغرافي، حيث تصل نسبة من تقل أعمارهم عن العشرين عاما ما يزيد عن الستين في المئة من إجمالي المواطنين في دول المنطقة، أيضا، هناك نسبة نمو سكانية طبيعية عالية تصل إلى 3,6 في المئة سنويا مما يعني زيادة أعداد صغار السن وارتفاع معدلات الإعالة·· هنا يطرح المرء سؤالاً: كيف تتم مواجهة هذا الواقع الديمغرافي، أو السكاني، وإنجاز تعديلات عصرية عليه بما يمكن من تحقيق تنمية نوعية للقوى البشرية من خلال إصلاح نظام التعليم والتدريب ومنظومة القيم المجتمعية؟
وعندما نتطرق لمنظومة القيم نجد أن المجتمعات الخليجية مازالت تعاني من التأثيرات الريفية والبدوية التي لم تتأثر بالتبدلات في المستويات المعيشية، لأن ذلك التطور الاقتصادي لم يؤد إلى انخراط المواطنين في مهن وأعمال تدفع إلى تبني قيم وأخلاقيات مختلفة تتوافق مع متطلبات الإنتاج والتنمية الحقيقية·
وهكذا نجد أن معطيات التنمية البشرية في دول المنطقة تتطلب اهتمامات عميقة من مختلف الأطراف ذات الصلة· |