| لا يسعنا ونحن نتابع الانتخابات الكويتية إلا أن نتطرق للقضايا التي تثار، والتي لا تثار، في إطار الحملة التي يقودها المرشحون الذين بلغ عددهم 276 مرشحا، ويعني هذا العدد أن معدل المرشحين لكل مقعد يساوي أكثر من خمسة على مستوى البلاد، وإن تفاوت الوضع بين دائرة وأخرى، لكن هؤلاء المرشحين الذين يصرخون بأصواتهم العالية مطالبين بالإصلاح والعدالة هل يملكون برامج انتخابية تأهلهم لقيادة المؤسسة التشريعية على مدى السنوات الأربع المقبلة؟
بداية يجب أن نؤكد أن عددا لا بأس به من المرشحين قد تم اختيارهم من خلال انتخابات فرعية مبنية على قيم قبلية مجرمة قانونيا وتم السكوت عنها إداريا، وهذا الأمر ينطبق على أكثر من عشر دوائر من الدوائر الخمس والعشرين في البلاد، هؤلاء بطبيعة الحال، لا يمثلون قيما ديمقراطية أو يملكون اهتمامات وطنية واضحة، ومنهم من لا يعير أي قضية الاهتمام المستحق أو يعالجها بالجدية اللازمة ما لم تكن ذات صلة بمصالح ناخبيه المباشرة، ولا شك أن هذه الوضعية تؤكد مدى التخريب السياسي الذي جرى في البلاد من جراء تكريس هذه المفاهيم السياسية الرجعية والتأثير القبلي الفئوي في البلاد بسبب طريقة تقسيم البلاد الى دوائر انتخابية صغيرة الحجم، بحيث يمكن لفئات محدودة العدد أن تتحكم بالنتائج وتحمل الى مجلس الأمة أعضاء لا يستمدون شرعيتهم من خلال قيم سياسية واجتماعية واضحة ومبنية على برامج محددة تهدف الى الدفاع عن صالح جموع المواطنين والقضايا الوطنية الأساسية·
كذلك يشعر المرء بأن هذه العينة من المرشحين، وبعضهم سيصبح من الأعضاء، لا يملكون الاهتمام بقضية الديمقراطية كقيمة سياسية وثقافية تستحق التعزيز والتطوير والتأهيل في المجتمع الكويتي، هم يعتقدون أن عضوية مجلس الأمة هي وسيلة لتمثيل مصالح فئوية والدفاع عنها، لذلك من الصعب أن تزعم أنهم على بينة من نصوص ومواد الدستور والقيم التي تبثها هذه النصوص والمواد، ليس هناك من تحفظ على حماية مصالح الناخبين في دائرة معينة أو منطقية جغرافية محددة، إذا كانت هذه المصالح معرضة للمخاطر أو تتطلب الحماية، لكن أن تكون هذه المصالح على حساب الصالح العام أو المصلحة الوطنية فإن المسألة فيها نظر·· لقد مضى على اعتماد دستور دولة الكويت أكثر من 40 عاما ولاتزال نصوصه تتعرض للانتهاك من خلال القوانين التي تعتمد من الحكومة ومجلس الأمة، كما أن دور المحكمة الدستورية في حماية هذه النصوص من تعديات السلطتين التشريعية والتنفيذية محدودا نظرا لطبيعة القانون الذي يحدد طريقة التقاضي أمام هذه المحكمة، فلا يمكن لأي مواطن أو مجموعة من المواطنين أو تجمع شعبي أو منظمة من منظمات المجتمع المدني أن ترفع دعوى بشأن أي قانون تم اعتماده من مجلس الأمة قد يكون متعارضا مع نص أو نصوص ومواد الدستور، لا بد أن ترفع الدعوى من قبل مجلس الوزراء أو مجلس الأمة مباشرة·
وهكذا عانت الكثير من نساء الكويت خلال السنوات الأربع المنصرمة من جور الإجراءات القضائية والدفوع الشكلية عندما قررن رفع دعاوى ضد قانون الانتخابات الذي يحرمهن التصويت والترشيح في الانتخابات البلدية والنيابية·
ويقود الحديث عن حرمان المرأة من حقوقها السياسية الى مسألة تحجيم القاعدة الانتخابية التي قد لا تتجاوز الخمسة عشر في المئة من إجمالي عدد الكويتيين في البلاد، فهي تشمل فقط الكويتيين من الذكور الذين بلغوا الحادية والعشرين من العمر، يعني هذا حرمان النساء والشباب الذين تزيد أعمارهم عن الثمانية عشرة، هذا ناهيك عن حرمان فئات العسكريين من حق التصويت، وإذا كان المرشحون يطالبون بالإصلاح السياسي في البلاد فإن الخطوة الأولى تتمثل بإصلاح السلطة التشريعية وهذا لن يتأتى إلا من خلال توسيع القاعدة الانتخابية وتعديل نظام الدوائر الانتخابية بما يقلص عدد الدوائر ويزيد عدد الناخبين في الدائرة الواحدة·
وربما يكون الحل الأمثل هو تحويل الكويت الى دائرة انتخابية واحدة، ولكن ذلك قد يستدعي إنجاز قانون يرخص الأحزاب السياسية وبحيث يتم الانتخاب على أساس القائمة ومن ثم توزع مقاعد البرلمان على الأحزاب بما يتناسب مع أعداد الأصوات التي حصلت عليها، ومثل هذا النظام متبع في إسرائيل، وتقوم الأحزاب بترتيب مرشحيها من خلال انتخابات داخلية، لكن إذا كان هذا النظام المقترح، وهو نظام الدائرة الواحدة، متعذرا فيمكن اتباع إصلاحات انتخابية مختلفة مثل العودة الى نظام الدوائر العشر وإجراء الانتخابات على مرحلتين بحيث لا يصل الى مجلس الأمة إلا المرشحون الذين حصلوا على نسبة معقولة من الأصوات، كما هي الحال في فرنسا وبعض البلدان الديمقراطية الأخرى، كذلك لا بد من تطبيق إجراءات صارمة للوقاية من الانتخابات الفرعية المبنية على الطائفية والقبلية والفئوية، وربما يكون نظام الانتخابات على مرحلتين وسيلة معقولة لإلغاء الانتخابات الفرعية·
وإذا تحدثنا عن الانتخابات في الكويت والمسائل التي تعاني منها، فإننا لا بد أن نتطرق لدور القوى السياسية فيها، فكما هو معلوم أن الكويت، بالرغم من عدم وجود قانون ينظم الأحزاب السياسية، تحوي عددا من التنظيمات ذات الرؤية المختلفة، هناك تيار الإسلام السياسي الذي يضم تنظيمات تعتمد على قيم الإخوان المسلمين أو السلف والحرفية وجماعات تتعاطف مع قيم الثورة الخمينية في إيران وغيرها من تيارات إسلامية، كذلك توجد في الكويت تيارات تعتمد على قيم سياسية عصرية مثل الفكر القومي أو الاشتراكي أو الليبرالي، وهي تيارات كانت نشطة في الكويت منذ بداية الخمسينات من القرن الماضي لكنها عانت من انعكاسات الأوضاع العربية والعالمية على مسيرتها، ويجب الإقرار بأن هذه القوى السياسية المختلفة لا تزال تعتمد أساليب الترشيح على أسس الإمكانات الخاصة للمرشح وعلاقاته الأسرية وانتماءاته القبلية أو الطائفية، أيضا تقدم هذه القوى برامج انتخابية لكنها برامج تفتقر للتماسك الفكري والمنهجي وتتسم بالتكرار وعدم التجديد، ولكي يكون المرء منصفا لهذه القوى فإن قدرتها على التطوير وتحديث آليات عملها تعتمد على إصلاح الأوضاع الانتخابية، كما أوردت آنفا، وكذلك على تشريع قانون ينظم عمل الأحزاب السياسية، يضاف الى ذلك أن هذه القوى يجب أن تتحرر من قيم الفكر الإسلامي والقومي وتركز على إصلاح البيت الكويتي من خلال مفاهيم وآليات عصرية، ولا يعني ذلك طلاقا بائنا مع قيمها القديمة ولكن يجب تطويع هذه القيم لصياغة برامج سياسية تعتني بالكويت وأوضاعها وكيفية تحديثها وإصلاح اقتصادها وأنظمتها التعليمية والاجتماعية·
وإذا عدنا للانتخابات الراهنة فإن المرء يشعر بأن هناك تململا بين الناخبين وشعورا بالإحباط من أداء مجلس الأمة في فصله التشريعي الذي شارف على الانتهاء، هل يمكن أن ينعكس هذا الشعور بالتململ على الانتخابات ويسقط أعضاء حاليون في مجلس الأمة ويأتي بأعضاء جدد أو ربما يحدث تغييرا في العضوية بنسبة عالية؟
ربما يحدث ذلك، وهو احتمال مرتفع في تقديري، لكن لو حدث ذلك فإن اهتمامات الأعضاء لن تتغير ما دامت آلية اللعبة الانتخابية لم تتغير حيث سيحرص كل عضو على إرضاء ناخبيه بصرف النظر عن الاهتمامات الوطنية الكبيرة، هناك ملاحظة أساسية في هذه الانتخابات، بعد أن كانت الكويت مهتمة بدرجة عالية بمسألة تحرير العراق والتي انطلقت من أراضيها قبل بدء العمليات العسكرية وفي أثنائها لا يجد المرء اهتماما من المرشحين بمسائل تتعلق بالعلاقات المستقبلية بين الكويت والعراق والعلاقات بعد التغيير ومشاريع التنمية التي تعزز قدرات الكويت في المنطقة، هل يعقل إهمال هذا الموضوع في ظل التغيرات الجارية والمتسارعة والتي لا بد أن يكون لها انعكاسات واضحة على الكويت ومستقبلها؟ لقد ركز المرشحون على خطاب سياسي يهدف لتوجيه الاتهامات للسلطة التنفيذية، وكأن هذا الخطاب هو مفتاح الفوز، قد يكون مهما تحديد القصور في أداء الحكومة وطرح مفاهيم جديدة لإصلاح السلطة التنفيذية ولكن يجب توضيح الصورة الشمولية لقضية الإصلاح فيما يتصل بالسلطتين وكذلك لا بد من طرح كل القضايا التي تهم البلاد بما في ذلك المتغيرات الجارية من حولنا· |