رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 12 جمادى الأول 1424هـ -12 يوليو 2003
العدد 1585

دور المرأة في تعزيز الديمقراطية
د· راقية القيســـي*
rakiah@aol.com

قبل أن أتكلم عن دور المرأة في المرحلة الانتقالية ومدى تأثيرها في إحداث التحول نحو النظام الديمقراطي، أرى من الضروري أن أتناول أولا واقع المجتمع العراقي "رجالا ونساء" في الوقت الراهن·

إن النظرة التحليلية النقدية للواقع الاجتماعي دون تفاؤل أو تشاؤم، هي الخطوة الأولى والمدخل نحو تطوير المجتمع بما يتناسب ومتطلبات العصر الحديث، على أن لا نتجاوز خصوصية المجتمع العراقي، لأن تجاوز خصوصية المجتمع ليس الوسيلة للتغير، وإن عدم المقدرة على التكيف مع المجتمع لإنجاز مهمة التغير "أي لدى تحدي تقاليده وأعرافه بشكل سافر" يكون مصيره بالضرورة العصاب النفسي·

 

استقراء الواقع الراهن:

في فترة النظام السابق كان الناس مجبرين على العمل والطاعة وفق أوامر النظام، إذا ما أرادوا اجتناب الموت، وعدم الوقوع فريسة مؤسسات القمع المتنوعة الضارية·· حيث جعل النظام الإرهاب اللغة الرسمية التي يتعامل بها مع المجتمع· فقد حلت أجهزة القمع·· بدل مؤسسات الدولة التي تحفظ الأمن وتضبط المجتمع وتمنع الجريمة·· كمؤسسات الشرطة والقضاء·

وفيما يخص الأوضاع الاقتصادية فمراكز النفوذ والثروة، كانت متركزة جميعها بين أيدي صدام وطبقته الحاكمة، فهو "وطبقته" يملك ويراقب قوى الإنتاج والاستهلاك بطريقة تامة إلى حد أنه يصف في وسائل الإعلام المرئية، حتى طريقة الأكل واللبس وصرف المداخيل بل وحتى أوقات الفراغ، حصل النظام نتيجة ذلك على قدرة كافية ليفرض وجهة نظره، ويعارض بفعالية، كل مجهود معارض لسياسته الاقتصادية، وتحول غالبية المجتمع إلى مجرد مستهلكين لا يملكون أي قدرة على الاختيار، ويتصرفون في كل شؤون حياتهم حسب رغبات السلطة· وبعبارة أخرى لقد تكيف المجتمع مع القالب الذي صاغه له نظام البعث، الذي أصبح المالك الوحيد والمستثمر الوحيد والمستغل الوحيد·

وبذلك فالنظام السابق لا يقل في شدته عن استبداد "سادة العبيد" بالأرقاء·· الذي كان سائدا في العصور الغابرة·· حيث كان سيد العبيد، يبيع عبيده ويشتريهم ويقتلهم كالماشية، ولعل المقابر الجماعية للعراقيين والمكتشفة حاليا في أماكن متعددة من العراق هي الدليل الأمثل على تماثل صدام في معاملة الشعب "بسيد العبيد" مع عبيده، في مجتمع الرق!

أما على الصعيد الأخلاقي، فحتميا لا ينتج مثل هذا النظام الاستغلالي، سوى الرذائل والمفاسد بكل أنواعها، كالرشوة، الكذب، السرقة، البغاء الشره، الاحتكار، شهوة التسلط، إن هذه الرذائل ليست من طبيعة البشر، بل تفرض على الإنسان نتيجة طبيعة النظام السياسي·

لذلك فإن أهم ظاهرة نجمت عن النظام السابق هي اغتيال المجتمع المدني وتفكيك بنيته الحضارية والفكرية من الداخل·· ثم إعادته خطوات واسعة إلى الخلف، بحكم الطبيعة المتخلفة للمجموعة التي سيطرت على المراكز العليا في الدولة التي همها الوحيد الإخضاع والغزو·

استنادا لذلك، فإنه من الطبيعي أن يفتقد مثل هذا المجتمع المستعبد، وجود علاقات عمل مشتركة، سواء على صعيد العمل السياسي أو الاقتصادي، وأن علاقات العمل الوحيدة التي تسوده·· هي علاقات عمل العبيد الخاضعين الأذلاء·· يستثمرهم سادة عاطلون منعمون ومرفهون·

هذه هي الثقافة السائدة حاليا في المجتمع العراقي، وإن أسباب التردي الراهن في الحياة العراقية ومظاهر الانحطاط السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي·· هي نتيجة العوامل السياسية والاقتصادية الظالمة·· فهي التي تعين وتوجد أساليب التفكير والعقيدة والأخلاق والتعليم والعلاقات الاقتصادية والحقوقية، وكل أشياء المجتمع·· وهي التي أسهمت في خلق الهزائم والكوارث والتراجعات·· مما أثرت ذلك تأثيرا بالغا في ظهور أمراض اجتماعية مستعصية في بنية الكيان العراقي·

بعد هذا الاستطراد الذي أجده ضروريا·· سؤالنا الآن حول واقع وضع المرأة الاجتماعي ونوعية العلاقة بينها وبين الرجل، وبينها وبين السلطة السياسية؟·

كل نهضة تحتاج إلى تعبئة الطاقات المقموعة المنتجة  في المجتمع وأولها المرأة، ومن الجدير بالذكر بأن روايات التارخ تخبرنا أن حضارة بابل القديمة لم تقمع المرأة، بل كانت بالعكس، من أرقى الحضارات الشرقية القديمة - بعد الحضارة الفرعونية - بالنسبة لاحترام مركز المرأة في المجتمع سواء فيما يخص حكم التشريع أو حكم التقاليد المرعية·

فمكانة عشتار والبطل جلجامش تدل على الحرية التي بلغتها المرأة البابلية في طلب الزواج، لأن عشتار هي التي طلبت يد جلجامش - كما يقال بلغة العصر الحديث-

وكشفت الأثار عن مدارس بابلية لتعليم البنات إلى طبقة التعليم الذي يسمى اليوم التعليم الجامعي، وكانت لبعض النساء مكانة ملحوظة في حواشي الملوك، في حين أن المرأة العراقية في الوقت الراهن، عم عليها ما عم على الرجل من استغلال وحرمان من الحقوق العامة·

إن آفات الاستبداد تؤثر أولا في الأسرة، على نوع العلاقة بين الرجل والمرأة، لأنها تعتبر المقياس الأساسي في تقييم أي مجتمع·

وبموجب حكم الشريعة لم تحرم المرأة حقا هي في حاجة إليه، ويمكن أن نقول بأن المرأة الأوروبية وحتى بداية القرن العشرين لم تنل من الحقوق العامة ما نالته المرأة من الشريعة الإسلامية قبل ثلاثة عشر قرنا· ولكن بموجب العرف "وتأويل" حكم الشريعة أصبحت المرأة في مجتمعنا في كفالة الرجال ومحجورا عليها، وهذه الوصاية خولت للرجال جميع حقوق التصرف في المرأة ومعاملاتها·

إن الكثير من الرجال في مجتمعنا يظهرون الاستغراب عندما يكون للمرأة شاغل آخر عدا الخدمة في البيت والإنجاب ورعاية الأطفال والتجمل للرجل، ورأيهم في ذلك بأن خروج المرأة من البيت إلى معترك العمل يؤدي إلى هدم الأسرة، بينما أثبتت المرأة العاملة بجدارة أن العمل خارج البيت لا يؤثرعلى واجباتها داخل البيت كأم وزوجة، بل بالعكس يدعمها·

بعد هذا الاستقراء، كيف يمكن رفع مستوى هذه الثقافة إلى مكانة أرقى؟ لينعكس بالتالي على عمل الدولة وعلاقتها  بالمجتمع "المرأة والرجل معا"·· لتتحول من دولة الرعايا إلى دولة المواطنين بالمعنى الحضاري لمفهوم الكلمة؟ وما دور المرأة في هذه العملية؟

أرى أن الحل العقلاني لهذه المسألة في الظروف الحالية··أن تكون المرأة معتدلة في مطالبها·

وأرى من الأفضل أن تتم من خلال إقناع الرجل بأن مشاركتها في الحياة العامة هي ضرورة - وليست فريضة - مستمدة من رغبتها الصادقة لمساعدة ومساندة الرجل في تحمل عبء متطلبات التغيير والبناء في هذه المرحلة الحرجة، التي يواجه فيها العراق تحديات خطيرة·

فمثلا استطاعت المرأة البريطانية أن تقنع النواب البريطانيين بمطالبها الدستورية عندما أثبتت جدارتها في أثناء الحرب العالمية الأولى· فكانت العاملة في المصنع بعد أن خلت المصانع من الرجال وكانت الممرضة في المستشفيات والمعسكرات تضمد الجرحى وتواسي المصابين، وكمكافأة لها على معونتها في كسب النصر، صدر قانون منحها حقوق الانتخاب وقد كان القانون مقيدا ببعض قيود السن والثقافة·

إن عملية مشاركة المرأة في هذه المرحلة يتم تنظيمها باعتقادنا كما يلي:

أولا: أن تكون وفق العرف الاجتماعي السائد· فالعرف الاجتماعي في القرية، لا يسمح للمرأة أن تمارس المهام نفسها التي تمارسها المرأة في المدينة، والسبب في ذلك أن أهل المدينة أكثر حظا في الحصول على العلم والثقافة من أهل الريف، وهو السبب نفسه الذي يجعل تعدد الزوجات - إلى حد ما - في الريف أكثر من المدينة·

ثانيا: فيما يخص حقوق المرأة في المشاركة السياسية فهي مازالت مرهونة في العراق والمجتمع الشرقي عموما في طريق الحياة البرلمانية والتقاليد الدستورية·· وهي تقاليد لم يتمرن عليها الرجال الشرقيون بعد·· لذلك لا أعتقد أن المرحلة الراهنة صالحة لمزاحمتهم في هذا المجال وأن تركيز المرأة في مجال الإصلاح الاجتماعي والتربية وإشاعة المعرفة لأبناء المجتمع هو هدف أسمى من ميدان السياسة ومعمة الأحزاب السياسية؟

ثالثا: إن التقدم والتخلف في الحقوق العامة السياسية والمدينة سواء للمرأة أو للرجل يتوقف على طبيعة المؤسسات السياسية، فإذا تغيرت الظروف ونظام التفكير والنسق الاجتماعي السائد حاليا في المجتمع·· وأصبحت السلطة مقيدة بالقانون وأصبح النظام السياسي ضامنا للحريات·· فإنه سيوصي باستصدار تشريعات تبيح للمرأة والرجل معا المشاركة في الحياة العامة، لأن الاثنين مع المحرومين تحت نير الاستبداد الشامل·

هذا هو الحل الأفضل - حسب اعتقادي - الذي يلبي حاجات المرحلة الانتقالية، لأنه الأسلم، والأكثر ملاءمة للظروف الحالية·· بهدف أن لا يكون رد الفعل شديدا تجاه مطالب المرأة من قبل العناصر التقليدية، التي تجد في قيم النظام السابق المتخلفة والتي مازالت سائدة في المجتمع، الغطاء الذي تعتصم به، باسم الطهارة والعفة، وبالتالي تعيق أي مشاركة للمرأة مع الرجل في مجالات الإصلاح والبناء والتحول نحو المجتمع الحديث·

باختصار·· إن المرحلة الحرجة الحالية في العراق بأشد اللزوم لأن تكون العلاقة بين الرجل والمرأة قائمة على الوفاق والتوفيق·· وإن الإنسانية هناك تشكو زيادة القسوة وقلة الرحمة والإنسانية وهي بأمس الحاجة للإغاثة والمحبة والعطف وصلة الرحم وهذه الخصائص مصدرها واحد هي: حنان الأمومة، لذا إن اشتراك المرأة حاليا في هذه المهام الإنسانية خليق بأن يمنع الفوضى القائمة وأن يحمي وحدة الوطن من الانهيار

 

* باحثة في شؤون العراق

جمعية الحقوقيين العراقيين - لندن

 rakiah@aol.com

�����
   

الدولة والقانون :
د· طارق علي الصالح*
دور المرأة في تعزيز الديمقراطية:
د· راقية القيســـي*
انتخابات سيئة السمعة:
يحيى الربيعان
هل الكويت معرضه لزلازل سياسية؟:
م. مشعل عبدالرحمن الملحم
أموال المودعين:
أ.د. إسماعيل صبري عبدالله
نتائج مدوية!:
عامر ذياب التميمي
مجلس من دون النيباري:
د. محمد حسين اليوسفي
حصاد الانتفاضة:
عبدالله عيسى الموسوي
قراءة في الدستور الكويتي!1:
يوسف محمد البداح
الامتناع عن التصويت هل هو الحل الأفضل لليبراليي الجهراوي؟:
خالد عايد الجنفاوي
لتعارفوا
أهمية الحوار بين سائر قوى المجتمع:
د. جلال محمد آل رشيد
للمرة الأولى منذ سقوط نظام صدام مجلس سياسي عراقي:
حميد المالكي
نعيم الفساد العربي!:
رضي السماك