رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 12 جمادى الأول 1424هـ -12 يوليو 2003
العدد 1585

الدولة والقانون
د· طارق علي الصالح*
* ??? ????? ???? ????? ????? ????????? ?????????/????

التفكير في بناء نظام سياسي مؤسساتي في الدولة، يتطلب الاعتماد على هيكلة قانونية منسجمة مع التطور الحضاري في العالم ومتطلبات المجتمع الدولي عبر منظماته ومؤسساته الشرعية·

لقد عانى العراق قبل نشوئه كدولة وحتى في ظل النظام البائد من هيمنة الأنظمة الدكتاتورية التي تعكس انعدام دولة القانون بمفهومها الحديث، وللأسف الشديد، فإن المعنيين بالشأن العراقي ومستقبل العراق من القوى السياسية والفكرية يفتقدون البرنامج السياسي وفق الأسس القانونية، الذي يعطي أملا جديدا للعراقيين، بأن النظام المقبل سيكون نظاما ديمقراطيا مؤسساتيا، يمنح الفرصة المتكافئة لجميع شرائح المجتمع بممارسة نشاطاتها وطقوسها سلميا، وفق ما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد وبالشكل الذي يختلف عما سبقه من أنظمة سياسية·

لقد وجدت من المفيد مناقشة العلاقة المعقدة بين الدولة والقانون، وبشكل مختصر، وصولا إلى تسليط الضوء على العلاقة بين السلطة والقانون·

1 - مفهوم الدولة:

الدولة مفهوم معقد خضع لتغيرات مختلفة في أثناء دورة تطور المجتمعات وتبعا لاجتهادات وتحليلات الفقهاء والفلاسفة والتجربة عبر التأريخ، إلا أن هناك شبه اتفاق على عناصر الدولة الرئيسية المتمثلة: بالشعب والإقليم والسلطة·

ورغم أن هذه العناصر أساسية لنشوء الدولة من الناحية الفعلية، إلا أن تحققها لا يعني بالضرورة وجود الدولة من الناحية القانونية، إلا في حالة الاعتراف بها من قبل المنظمات الدولية وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن·

الدولة هي شكل من أشكال التضامن الاجتماعي الذي يتميز عن التجمعات العادية الأخرى، بوجود هيئات منظمة لها نفوذ أو سلطة بحدود إقليم الدولة المعترف بها·

تمثل السلطة، النظام السياسي للبلد، التي من خلالها تجري ممارسة النشاطات المختلفة على جميع الأصعدة تلبية للحاجات المختلفة في الدولة سواء كان ذلك على نطاق الشعب أو الإقليم وعلى الصعيدين، الداخلي والخارجي، لذا فإن السلطة من أهم عناصر الدولة، وتبعا لهذا العنصر "السلطة" تتحدد طبيعة النظام السياسي في الدولة، دكتاتوريا أو ديمقراطيا·

بسبب ضعف العلاقات الدولية للفترة ما قبل القرن التاسع عشر، لم يكترث القانون الدولي بشكل الأنظمة السياسية "دكتاتورية أو ديمقراطية" بقدر اهتمامه بمدى سيطرتها الكاملة على وحدة الإقليم وإدارة الشؤون الداخلية من خلال هيئاتها المختلفة، إلا أن الأمر اختلف جذريا وبشكل تدريجي خاصة بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية واضمحلال دور الأحزاب الأيديوجية التي تؤمن بسيطرة الحزب الواحد وقيادته للنظام السياسي في الدولة·

2 - مفهوم القانون:

منذ أواخر القرون الوسطى: استقر المجتمع الدولي على تجاوز مرحلة القوانين اللاهوتية والميتافيزيقية واعتماد القوانين الوضعية·

والقانون الوضعي هو خلاصة الفلسفة الوضعية في تفسير الظواهر الاجتماعية من خلال التجربة والاستقراء، فالقانون لم يعد مجرد تصورات وتأملات غيبية تفرضها مفاهيم دينية أو عقائدية معينة وإنما هو علم يقوم على الملاحظة في تشخيص الظواهر الملموسة أو المحسوسة عن طريق معايشتها ومن ثم تكريسها لخدمة الدولة·

كان القانون في بدايات نشوئه ينظم شؤون الحاجات الملحة في القانون، كحفظ الأمن والنظام ومحاربة الجرائم وحماية الممتلكات، بمرور الزمن توسعت حدود القانون لتشمل جميع القواعد التي ترتكز عليها السلطة لإدارة شؤون البلاد العليا وكل ما يتعلق بالشؤون الحياتية للأفراد منذ تكوين الفرد في رحم أمه كجنين إلى ما بعد وفاته فيما يتعلق بدفنه وتصفية تركته، بل إن القانون تجاوز حدود تنظيم شؤون المؤسسات والأفراد داخل الدولة ليحكم العلاقات بين أعضاء المجتمع الدولي، وعليه فإن القانون من الأهمية بمكان بحيث أصبحت له مظاهر كثيرة تتدخل لتنظيم جميع المفاصل في الدولة·

القانون الدولي ينظم شؤون العلاقات الدولية·

القانون الدستوري ينظم شؤون السلطات والشؤون السياسية العليا في الدولة·

قانون العقوبات ينظم شؤون الجريمة والعقوبة

القانون المدني ينظم الالتزامات وحقوق البيع والشراء والإيجار وغيرها وهناك المئات من القوانين التي تنظم جميع الشؤون الأخرى في المجتمع·

بما أن القانون لا وجود له إلا من خلال السلطة، وأن السلطة لا يمكن أن تمارس واجباتها إلا من خلال القانون، لذا فإن القانون شرط أساسي لاستمرار السلطة وبالتالي فإنه "القانون" هو الأداة لتشخيص طبيعة السلطة في الدولة بعبارة أخرى إن كيفية تشريع القوانين، كفيلة بتشخيص طبيعة النظام السياسي السائد في الدولة·

3 - السلطة والقانون:

مما تقدم يتضح لنا أن من أهم مقومات الدولة، السلطة والقانون، وأن طبيعة العلاقة بينهما تحدد مدى الاقتراب من المفاهيم الحديثة للدولة وبالتالي يتضح مدى أهمية صناعة القوانين بما ينسجم مع متطلبات وحاجات المجتمع·

هذا الترابط العضوي بين السلطة والقانون مرّ بمراحل مختلفة عبر التاريخ·

كان الفلاسفة والمفكرون وفقهاء القانون في القرون الوسطى يروجون لإرادة الحاكم المطلقة في تشريع القوانين ومنهم المفكر الإيطالي ميكافيلي (1469-1527) والمفكر الفرنسي جان بودان (1530-1596) اللذان أكدا على ضرورة دمج السلطة بالدولة التي تمثلها إرادة الحاكم المطلقة في تشريع ما يشاء من القوانين لتوطيد سلطانه دون اكتراث بمطالب الشعب· وظهر فيما بعد فلاسفة بريطانيون أمثال توماس هوبز (1588-1679) وفقهاء أمثال جون آستن "1790-1859) اللذين كانا بنفس الاتجاه في تمجيد إرادة الملوك والحكام·

لقد وجدت هذه الأفكار أرضية لها في الفكر القومي الألماني في القرن التاسع عشر من خلال الفلسفة الهيغلية (1770-1838) التي جاءت لتمجد سلطة الدولة والتي كان لها تأثير في ظهور حركة التوحيد التي قادها بسمارك في نهاية القرن التاسع عشر· كما ظهر فلاسفة ألمان كالفيلسوف أهرنك (1818-1892) الذي طور وعمّق هذه النظرية وأطلق عليها HERRSCHOFT THEORY وأصبحت هذه النظرية الأساس لأفكار النازية لتنفيذ مآربها دون الاكتراث بأبسط حقوق الإنسان·

ومن جانب آخر بلورت الماركسية أفكارها عبر البيان الشيوعي لعام 1848، حيث شخصت طبيعة الدولة بأنها تجسيد لسلطة الحاكم المستبد، وأنها أداة للقهر والظلم، إلا أن الماركسية جاءت ببديل في تكريس دمج السلطة بالدولة من خلال سيطرة الحزب الواحد تحت قيادة "دكتاتورية البروليتاريا" التي أصبحت السلطة المطلقة في تشريع القوانين باعتبارها الممثلة الحقيقية لإرادة الشعب·· على حد تعبير الماركسية·

استمرت دوامة تمجيد سلطة الدولة عبر القرن العشرين من خلال الأحزاب النازية القومية والأحزاب الطبقية "الشيوعية" وبالرغم من انتهاء دور تلك الأحزاب تاريخيا، إلا أن مخلفاتها مازالت موجودة في بعض الدول التي يشكل حزب البعث نموذجا لها· فهو يرى أن الدولة هي السلطة السياسية التي تقوم بجميع الوظائف في الدولة "التشريعية والتنفيذية والقضائية"، ولا مجال للاستقلال أو الفصل بين هذه السلطات، وبالتالي فإن القوانين ما هي إلا ترجمة لإرادة السلطة السياسية "انظر قانون إصلاح النظام القانوني لعام 1977"·

إلى جانب ظهور الأفكار والأحزاب النازية والطبقية في القرن التاسع عشر، تعمقت الأفكار الديمقراطية، وظهر فلاسفة يدعون إلى الفصل بين السلطة والدولة وتقييد سلطات الحاكم، أمثال الفيلسوف البريطاني جون لوك (1632-1704) والفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو (1712-1778) اللذين طورا نظرية العقد الاجتماعي وأكدا على أن الشعب هو مصدر جميع السلطات في الدولة، وأن القوانين يجب أن تكون انعكاسا لإرادة الشعب وليس إرادة الحكام، وإن العلاقة بين الشعب والحكام علاقة تعاقدية تفرض على الطرفين حقوقا وواجبات مما لا يجوز لأي منهما تجاوزها وبالتالي فإن للشعب الحق في فسخ هذه العلاقة التعاقدية والمجيء بحكام جدد دون المساس بكيان الدولة وكذلك القوانين التي شرعت من قبل السلطة التشريعية "البرلمان" في الدولة، لقد تبلورت فكرة الشرعية من خلال انتشار هذه الأفكار على النطاق العملي، ومن خلال التحول إلى الأنظمة الديمقراطية التي تعتمد مبدأ الفصل بين السلطات وصناديق الاقتراع للوصول إلى السلطة وتداول السلطة سلميا·

الخلاصة:

تؤكد لنا التجربة في العالم، أن الأنظمة السياسية المبنية على أساس اندماج شخص الحاكم كسلطة في الدولة واتخاذ القوانين كقواعد فوقية لتكريس الهيمنة والقهر وهدر حقوق الإنسان، أصبحت متخلفة عن ركب التطور الحضاري في العالم، وأن بقايا هذه الأنظمة لامكان لها بين أعضاء المجتمع الدولي، وعلى الأنظمة المعنية أن تفكر وتصحو من سباتها وتتجه نحو التغيير قبل فوات الأوان وقبل أن تستلم الشعوب زمام المبادرة في التغيير بما ينسجم مع تطلعاتها نحو الحرية والديمقراطية· وفي الوقت نفسه ندعو قوى التغيير إلى أن تكون بمستوى المسؤولية في تعميق مفاهيم دولة القانون والسعي إلى تبني برنامج سياسي للتغيير يكون للقانون بمفهومه الليبرالي دوره الفاعل في إرساء جميع المؤسسات في الدولة، وليكن العراق النموذج المتميز في المنطقة بعد أن تم التخلص من النظام الحالي وإنهاء دورة العنف الدموي منذ أكثر من ثلاثين عاما·

*قاض عراقي سابق ورئيس جمعية الحقوقيين العراقيين/لندن

�����
   

الدولة والقانون :
د· طارق علي الصالح*
دور المرأة في تعزيز الديمقراطية:
د· راقية القيســـي*
انتخابات سيئة السمعة:
يحيى الربيعان
هل الكويت معرضه لزلازل سياسية؟:
م. مشعل عبدالرحمن الملحم
أموال المودعين:
أ.د. إسماعيل صبري عبدالله
نتائج مدوية!:
عامر ذياب التميمي
مجلس من دون النيباري:
د. محمد حسين اليوسفي
حصاد الانتفاضة:
عبدالله عيسى الموسوي
قراءة في الدستور الكويتي!1:
يوسف محمد البداح
الامتناع عن التصويت هل هو الحل الأفضل لليبراليي الجهراوي؟:
خالد عايد الجنفاوي
لتعارفوا
أهمية الحوار بين سائر قوى المجتمع:
د. جلال محمد آل رشيد
للمرة الأولى منذ سقوط نظام صدام مجلس سياسي عراقي:
حميد المالكي
نعيم الفساد العربي!:
رضي السماك