| حسب تقرير الثروة العالمية لعام 2003 الصادر عن مؤسسة كاب جميني أرنست أند يونج وشركة ميريل لينش، فقد تفوق معدل المليونيرية والمليارديرية في أمتنا العربية على المعدل العالمي، ففي حين ارتفع عدد كبار الأغنياء في العالم بمعدل %2 ليصل عددهم إلى 58 ألف شخص وازدادت ثرواتهم الإجمالية بمعدل %3,6 فإن عدد أغنياء أمتنا العربية المجيدة ازداد بمعدل %4,7 بزيادة قدرها عشرون ألف شخص من أصل ثلاثمائة ألف شخص، كما ارتفع معدل ثرواتهم إلى %4,6 أي بما مجموعه 45 مليار دولار "ويصنف الأغنياء هنا بأنهم الذين تبلغ أصولهم المالية مليون دولار على الأقل من دون حساب موجوداتهم العقارية"·
جيمس جرين نائب رئيس الشركة المذكورة التي أصدرت التقرير فسر الارتفاع العالمي للثروات بأنه يعود إلى استمرار النمو في الناتج المحلي وإلى معدلات الإدخار العالمية في أكثر البلدان، أما فيما يتعلق بمليارديريتنا - حفظهم الله من شر الحاسدين - فقد فسر الزيادة بازدياد الطلب على البترول وبخاصة في ضوء الاضطرابات والأحداث التي شهدها العراق وفنزويلا·
لكن إلى أي حد يصح هذا المقياس بالمطلق في تفسير هذا التراكم السريع المفاجيء في الثروة وعدد الأغنياء في وطننا العربي الذي يشهد ازدياد سكانه الذين يعيشون تحت خط الفقر بمعدلات هائلة؟ وهي ظاهرة عامة تندرج في عدادها مجموعة من الظواهر الفرعية مثل ازدياد معدلات البطالة، وتفاقم المشكلة الإسكانية، وبطء انخفاض معدلات محو الأمية المرتفعة، وشحة أو عجز الخدمات الاجتماعية الأساسية من مدارس وجامعات ومستشفيات ورعاية اجتماعية عن الإيفاء باحتياجات السكان·
الأرجح أن التفسير الذي أورده جيمس جرين لزيادة الثروات العالمية يصح من الناحية المبدئية لزيادة هذه الثروات في البلدان الغربية الديمقراطية بصرف النظر عن دور القوانين الرأسمالية في خلقها، لكن بالتأكيد أن هذا التفسير لايصح بالمطلق لتفسير هذه الطفرة في ارتفاع ثروات الأغنياء العرب·
والراجح لو أن مؤسسات الشفافية والرقابة المالية فتح لها المجال للتدقيق والتحري بكامل الحرية عن مصادر هذه الثروات "تحت شعار من أين لك هذا؟" لوجدت علاقة مؤكدة بينها وبين مناخ الفساد باعتباره أفضل مناخ للصعود الصاروخي في مراكمة الاستثمار بالأرباح ولأيقنوا أتم اليقين بأن هذه الطفرة ترجمة عملية صادقة لمقولة الإمام علي بن أبي طالب "ع": "ما من نعمة موفورة إلا وراءها حق ضائع"·
ولو أن مؤلف "رأس المال" أدرك زماننا لما تردد أن يضع كتابا آخر يردفه بتعديل لنظريته حول فائض القيمة بنظرية أخرى حول فائض الفساد فالأولى تصلح فقط في تفسير مراكمة الثروات في الدول الرأسمالية الصناعية الديمقراطية في حين تصلح الثانية مقرونة بالأولى لتفسير مراكمة الأرباح في معظم دولنا العربية ذات الأنظمة الشمولية والاقتصاد الطفيلي غير المنتج·
وحينما تسود أنظمة تغدق كيفما تشاء من المال العام بالملايين والمليارات على جوانب لاصلة لمصالح الشعوب بها، أو لتسوية قضايا سياسية لا ذنب للشعوب فيها، فيقرر على سبيل المثال لا الحصر أحد الأنظمة المغاربية دفع تعويضات لذوي ضحايا "لوكيربي" تصل إلى 2,6 مليار دولار، أو يقوم فريق كرة قدم مقرب إلى رموز كبيرة في السلطة بدولة خليجية صغيرة مجاورة بدفع 8 ملايين دولار لهداف الأرجنتين باتيستوتا للعب معه مدة عامين فقط، وحينما يصل مجموع ما تنفقه نساء الخليج - المخمليات طبعا - 1,7 مليار دولار سنويا على الموضة والماكياج والعطور ولوازم التنحيف "التخسيس"·· نقول حينما يحدث كل ذلك في ظل أنظمة كهذه فهل من عجب أو دهشة إذا ما سمعنا بتلك الطفرة السريعة في ازدياد ثروات وأثرياء أمتنا "السعيدة"؟
ولا غرو فبحبوحة الفساد في عالم أساطين القطاع الخاص بعالمنا العربي لا تفرخ إلا في مناخ مواز من بحبوحة أساطين القطاع العام، بل تتقاطع وتتشابك بقوة معه في المصالح على نحو لا تنفصم عراه!
* كاتب بحريني |