| 
* "البعث" وفروعه في السفارات العراقية في العالم قدم نظام صدام على أنه ضحية مؤامرة إمبريالية
* حزب البعث عارض الشيوعية كونها وليدة الأفكار الأوروبية ولأنها تمثل روح الحضارة الإغريقية
* أسامة بن لادن وصدام حسين سلكا المنهج نفسه الذي تعتمده كل المجموعات الأصولية
اختبار موازين القوى
إن صدام يعرف أن موازين القوى ستكون لصالح الولايات المتحدة بعد اندلاع الحرب· فقد كانت حرب عاصفة الصحراء عام 1991 اختباراً عملياً للقوة· وهو يعلم أن الموازين الفعلية التي ستمتلك القوة الحاسمة هي واشنطن وحلفاؤها بعد اندلاع الحرب· وأن الجيش العراقي سيستسلم بسرعة، لذلك تم تدريب الحزب والميليشيات الفدائية على الأعمال العسكرية ليس بهدف إضافة قوة الحزب والمليشيات للجيش النظامي بل إنه يعلم أن الأخير رغم تغيير عقيدته العسكرية لكنه لا يستطيع مقاومة القوة العسكرية الأمريكية المتفوقة· وهو من المحتمل أن ينحاز لجانب الشعب بعد تحرره من قبضة صدام أو يتخذ جانب الجهة التي ستملك السلطة الموقتة في إدارة البلاد · لذلك فصدام لا يثق إلا بميليشياته وجيشه الخاص·
إن صدام ليس صاحب فكر ونظر بل مجرد صاحب ثورة دائمة· ولكن الثورة مهما كانت، تحتاج دوما الى غطاء نظري، ولصدام والبعث غطاؤهما الأيديولوجي الخاص بهما في الصراع والثورة ··!؟
وبما أننا في مجال تحليل ثورة البعث التي تزعم معارضة الفكر الغربي وتدعو لمحاربته، فسأقوم بشرح أدبياته نظريا حسب ما جاءت على لسان عفلق (مؤسس الحزب) وعمليا وفق تطبيقاتها في العراق من قبل صدام·
إن البعث الذي يقاوم حاليا القوات الأمريكية والبريطانية في مدن العراق، لا يستخدم في حربه هذه سوى فن حرب العصابات والمقاومة الشعبية· وهذه مستعارة من المبادىء الماركسية اللينينة التي تعود أصولها لتنظيرات الفلسفة المادية الألمانية (سأتطرق لتحليل هذا المسألة فيما بعد)·
في حين أن حزب البعث، انبعث أصلا، لاستئصال الفكر الماركسي، بعد أن انتشر في العراق وفي كل دول العالم الثالث بفعل تأثير ثورة أكتوبر الاشتراكية 1917 في روسيا·!؟ وقد قام البعث بمهمته المذكورة خير قيام· فاغتصب السلطة دمويا عام 1963 وتمت تصفية الحزب الشيوعي العراقي بوحشية بالغة· وفي الانقلاب الثاني عام 1986 تم إكمال المهمة من قبل صدام وبموافقة الحزب الشيوعي العراقي نفسه الذي أطلق على صدام كاسترو العراق··!؟
السبب العقائدي في معارضة حزب البعث للشيوعية حسب ما جاء على لسان مؤسس الحزب عفلق، لكون الشيوعية وليدة الفكر الأوربي· ولأنها تمثل روح الحضارة الإغريقية اللاتينية· وبالتالي فهي لا تلبي حاجات البيئة العربية (في سبيل البعث ص 300 بغداد 1985) ·
أما حجة الحزب الشيوعي العراقي في معارضته للبعث، فإنها تتعلق بمبادىء الماركسية اللينينة، التي تؤكد على ضرورة قيادة البروليتاريا لحركة الجماهير، من أجل تنظيمها سياسيا بالروح الثورية· لكون الروح القومية لدى الشعوب المضطهدة لا تؤلف قوة ثورية وتكون غالبا ذات مسحة غير تقدمية وغير معادية للإمبريالية·
وهنا لا بد أن نذكر الخطيئة القاتلة التي ارتكبها الحزب الشيوعي في العراق·· من خلال تحالفه مع البعث - متجاوزا تحذيرات المبادىء اللينينية باتخاذ الحذر من التحالف مع القومية ذي النزعة الفاشية، فسلم الحزب قواعده الشعبية ومنطلقاته النظرية لقائد البعث· فكانت الجبهة عمليا، ليست احتواء للأحزاب السياسية في صفوف حزب البعث فحسب بل إلغاء تلك الأحزاب التي انتمت الى الجبهة من جهة وإعطاء وجه ديمقراطي للبعث من جهة أخرى ··!؟
ومن الجدير بالذكر أن عفلق رغم انتقاده للفكر الغربي، بأنه لا يلبي حاجات البيئة العربية، ولكن في لقائه مع الباحث البريطاني باتريك سيل اعترف عفلق بامتلاكه ترسبات الفكر الغربي الألماني المادي وقال: لقد تعلمنا من الفلسفة الألمانية بأن هناك شيئاً أعمق من الأحداث الظاهرة أو العلاقات الاقتصادية في تفسير مسيرة التاريخ ونمو المجتمع وهذا ما عدل فلسفتنا المادية· (كتاب باتريك سيل، الصراع على سورية)·
وحتى لو صدق ادعاء عفلق بابتعاده عن الفكر الألماني (وهو ادعاء لا يصمد أمام الواقع· لأن الفكر البعثي لايطبق سوى الفكر المادي الفرنسي/الألماني) أقول حتى لو صح هذا الادعاء، فعفلق لم يبتعد عن الفكر الألماني، لأنه اعتنق شقه الثاني المثالي الرومانسي ·· والذي يتفق مع المنزع الرومانسي الباطني الإيماني الصوفي الذي يندرج منه فكر عفلق·
ومن عفلق هذا ·· استعار صدام هذه النزعة ذات المحتوى الفكري المركب وأضاف اليها نزعته القبلية، وعبر بهذا المزيج الفكري الغريب المتناقض، غير صدام شخصية الفرد العراقي وجعلها "شخصية مازوخية" !
والمازوخية هي الشخصية التي تميل إلى تقبل الألم· مما يجعلها تبدو أمرا محيرا لأن ذلك متناقض مع الطبيعة البشرية التي تتجه عادة الى المحافظة على الذات وليس العكس · لذلك تبدو ظاهرة الدفاع عن صدام ومساندته رغم عدم أخلاقية نظامه أمراً محيراً للعديد من المراقبين والباحثين!؟
أستطيع أن أزعم أن ذلك يعود لبنية الدولة التسلطية في العراق والمشرق العربي على العموم، التي امتلكت ناصية الاستبداد، والاحتكار الفعال لمصادر القوة والقمع، من مصدريه: التقليدي (الدولة السلطانية الموروثة) والحديث المستورد (من مخلفات الحقبة الرومانسية التي أعقبت عصر التنوير بفرعيه: السياسي الفرنسي والفكري -الأيديولوجي الألماني) حسب مقولة الباحث خلدون النقيب في دراسته المقارنة عن الدولة التسلطية في المشرق العربي·
فاختلطت في أدبيات البعث، السلطة الشرقية الشاملة والجامعة مع العقيدة الإيمانية الرومانسية زائدا الدياليكتيك الماركسي· وأصبح هذا النوع من التداخل بين العقيدة الدينية والماركسية الثورية _ منهجاً ومفاهيم - السمة البارزة الحالية لنظام صدام· ونجدها أيضا لدى المجموعات الدينية التي اعتنقت هذا التكنيك الفعال لدى تحالفها مع الأحزاب الشيوعية في الخمسينات·
وقد أشار بن لادن في خطابه الأخير الذي عرضته قناة الجزيرة، بتبني المنهاج نفسه الذي يعتمده صدام حاليا في الصراع، وقد توعد بن لادن الحكام العرب المستبدين والأمريكان والانكليز (كما يفعل صدام وأركان نظامه) بالويل والدمار من خلال تقنيات حروب العصابات، وهو التكنيك الذي تعتمده كل المجموعات الأصولية !؟
وهناك بعض الأكاديميين يباركون هذا النوع من التكنيك ويعتبرونه نوعا من التجديد في الدين مادام يمنح دول العالم الثالث القدرة على تصدي التحديات التي ينتجها التاريخ· ويعتبر هؤلاء الباحثين أن تجربة أمريكيا اللاتينية تجربة مفيدة لأنها تلتقي في بعض جوانبها مع مجتمعاتنا العربية الإسلامية خاصة فيما يتعلق في التخلف والتبعية والهوية وكيفية التعامل مع التراث والماضي (لمعلومات أكثر حول هذا الموضوع يراجع كتاب الدكتور حيدر إبراهيم علي الموسوم الدين والثورة- لاهوت التحرير في العالم الثالث، 1992)·
وفي كل الأحوال فإن خطاب الماركسية الجذاب لقيادة مظلومي العالم لا يختلف كثيرا عن خطاب عفلق والقوميين العرب، الذين يمثلون الرومانسية المثالية الألمانية· فالفلسفة الالمانية (الهيغلية) حسب تعبير الباحث محمد الأنصاري في كتابه (صراع الأضداد) تحيط العقل العربي الإسلامي بشاطئيها: المادي الماركسي، والروحي الرومانسي العاطفي المثالي·
لذلك ليس من المستغرب من الموقفين الحاليين الألماني والفرنسي المواليين لصدام في مناهضة الحرب· فالأول يتعاطف مع البعث من خلال هيغل الذي يمثل رمزا مألوفا وحميما من صميم تراثنا العربي والإسلامي حسب تقييم الباحث حسن حنفي في كتابه (قضايا معاصرة)· أما الثاني (الموقف الفرنسي) فيتعاطف مع البعث من خلال مبادىء روسو العاطفية والمذاهب الاشتراكية التي تتفرع منه·
وكذلك ليس غريبا أن تتضامن مع صدام جميع النخب والقوى السياسية والأنظمة التي تمتلك هذا النوع من المحتوى الفكري الذي أصبح يغزو معظم دول العالم الثالث خصوصا من خلال الماركسية، بمنهجها الجدلي الذي أثبت فاعليته وصدقه في تحليل الواقع ·
وقد درب حزب البعث كل منظماته وفروعه في السفارات العراقية الموجودة في جميع أنحاء العالم وبمساعدة اليسار العالمي والمنظمات والأحزاب المتعاطفة معه، لتقديم نظام صدام على أنه ضحية مؤامرة إمبريالية، وهو الأسلوب نفسه الذي كان يقوم به الكومنتيرن الذي كان يدرب الأحزاب الشيوعية وقاداتها، من أن الاتحاد السوفييتي قلعة الاشتراكية محاصرة من قبل الأعداء الإمبرياليين·
فأصبحت الأممية الشيوعية، واحدا من أعمدة سياستها، هو الدفاع عن الاتحاد السوفييتي، بحيث اعتادت اعتبار كل ما يقوله السوفييت حقيقة مطلقة·· ليصبح واجب الدفاع عنها أمرا مقدساً·· مما جعل من المستحيل التمييز بين ستالين والاشتراكية!؟
يقول المؤرخ الفرنسي جان أيلينشتاين، مؤرخ ظاهرة ستالين، إن الروس دافعوا ببطولة أسطورية ضد النازية في الحرب العالمية الثانية، وحموا نظام ستالين الشمولي الذين طالما اضطهدهم وعانوا منه، لأنهم توقعوا بأنهم يدافعون عن الاشتراكية !؟
لقد أثرت هذه الاتجاهات الفكرية بشكل بالغ في الفكر العربي لأمم العالم الثالث التي خضعت للغزو الأجنبي· وقد اضطرت القوى السياسية جميعها الدينية والعلمانية في هذه الدول، بقابليتها على الصراع الشرس لمقاومة الفكر الليبرالي الغربي، لأن الأخير يمثل ثقافة المستعمر· ونجحت بمنع انتشاره في الحياة العامة والخاصة من سياسية وفنية وأدبية وفكرية· والسبب في ذلك لأن الحجج التي تقدمها الولايات المتحدة وبريطانيا للرأي العام العربي والإسلامي غير مقنعة للأسباب التالية:
- لأنهم يمثلون في المخيلة الجماعية عدوا تقليديا للعقيدة الدينية· فهم ليسوا من وجهة نظر شعوب المنطقة سوى قوى أجنبية صليبية، استنادا لنظرية المؤامرة على الإسلام التقليدية في الذهنية العربية والإسلامية·
- لأنهم يشكلون خطرا على العقيدة السياسية للنخب الفكرية والثقافية لشعوب المنطقة التي تنسجم أفكارها مع الفكر الثوري الذي يؤكد على الوحدة والتوحيد القسري وتزعم معسكر المظلومين، في حين أن الفكر الليبرالي والحرية الفردية، لا يمثل من وجهة نظرهم، سوى فكر الإمبريالية العالمية ومعسكر الطغاة·
- يمثلون من وجهة نظر النخب والتيارات الدينية عدوا لتراث وتقاليد شعوب المنطقة، وأول من اتخذ هذا الموقف من الحضارة الغربية حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والأب الروحي لكل الجماعات الإسلامية المعاصرة في العالم الإسلامي· أما تلميذه سيد قطب فهو مؤسس ظاهرة العنف الديني ·
- والأهم من ذلك لأنهم خلقوا إسرائيل ويساندوها على حساب الشعب الفلسطيني، مما أصبحت المبادىء الليبرالية والديمقراطية في نظر شعوب وأمم العالم الثالث، سيئة السمعة ·· وتحولت الامبريالية، إلى كبش الفداء والشعار التقليدي الموجود والجاهز دائما للاستدعاء وقت الحاجة والشدة والأزمات! والذي تنسب إليه مسؤولية كل المشكلات الاقتصادية والسياسية والحضارية لتضليل الامة، وإخفاء حقيقة مشاكلها والتي معظمها ذاتية !؟
نظرية الطبائع في تفسير التاريخ
من المفارقة أن العرب ينجذبون للفكر الألماني في حين أن هيغل هو الذي يوصي الغربيين في كتابه الشهير (دروس في فلسفة التاريخ) بالاحتراس جداً في التعامل مع الشرقيين ويقول: إن القدر المحتوم للإمبراطوريات الآسيوية أن تخضع للأوربية، وسوف تضطر الصين في يوم من الأيام أن تستسلم لهذا المصير!
وحسب قول الباحث سالم يفوت، لدى حفرياته في الاستشراق، بأن أبرز صورة لنظرية الطبائع في تفسير التاريخ والتمحور حول الذات والذي يعتبره الباحث تبريراً مغلفاً للاستعمار، هو موقف ماركس الشهير من الاستعمار البريطاني للهند: إن الرأسمالية نظام إنتاجي لا بد أن يتوسع ليثور ويقوض أنماط الإنتاج السابقة على الرأسمالية في أطراف العالم الرأسمالي· ووفق هذا المنظور فإن الماركسية قد وضعت شرطاً لحل ظاهرة التخلف من خلال المرور بالرأسمالية !
ثم فيما بعد ومن أجل إقامة جبهة شعبية ضد الإمبريالية من الشعوب المستعمرة وشبه المستعمرة أكد لينين إمكانية تحرك الشعوب المتخلفة التي تسودها علاقات ما قبل الرأسمالية، الى الاشتراكية متخطين مرحلة التطور الرأسمالي· ووضع شرطا لهذا الانتقال وهو: إيجاد منظمات جماهيرية، لتنظيمها وتثويرها سياسيا، تحت قيادة الأحزاب الشيوعية في نضالها ضد الإمبريالية، من أجل إسقاط رأس المال وإقامة المجتمع الاشتراكي الخالي من الطبقات·
وكان الكومنترن هو المنظمة التي تقف فوق الأحزاب الشيوعية (مشابهة للقيادة القومية لحزب البعث) لترسم سياستها على أساس المبادىء اللينينية في القيادة الجماعية، وتقديم الوصايا للأحزاب الشيوعية، لإقامة المنظمات الجماهيرية الشيوعية، وإقامة الجبهات مع باقي الأحزاب والقوى السياسية ·· دون الاندماج بها وقد استعار حزب البعث كل هذه التكتيكات وهي مصدر مقاومته الفعالة الحالية·
يظهر بشكل واضح أن جوهر الإشكالية والأزمة الحالية·· هي أصول صدام الفكرية وبشكل خاص نزعته القومية الشوفينية المتشددة التي لا تتعارض مع نظرية الطبائع في تفسير التاريخ الألمانية، حيث نقلت الفلسفة الألمانية، النزعة التطورية - في البيولوجيا - الى ميدان العلوم الاجتماعية والتاريخية، وشحنت نظرية داروين بمضامين اجتماعية من أجل توظيفها وترتيب سائر الشعوب على أساس عرقي من ناحية التطور، ووضعت الجنس الأوروبي وبشكل خاص الألماني على قمة الهرم، بينما الأعراق الأخرى المتخلفة في الدرك الأسفل وما على هذه الشعوب سوى الخضوع··!
والملاحظ لخطابات وتصريحات صدام وأركان نظامه يجد النزعة العرقية نفسها، حيث يتم ربط النبوغ والعبقرية بالفكر والحنكة والقيادة والشجاعة الخارقة التي تتمتع بها القيادة العراقية -أي قيادة صدام - بالعرق العربي، وبشكل خاص بالعنصر العراقي، لأنه امتداد للقيادة التاريخية العربية والإسلامية المتميزة وعلى قمتها العبقرية العراقية صاحبة الحضارة الاولى في العالم القديم و أحفاد نبوخذنصر وحمورابي وآشوربانيبال ···الخ·
لذلك فإن الملوك والحكام الضعفاء، من العرب والمسلمين، لا خيار لهم، إذا أرادوا الاحتفاظ بسلطانهم، سوى الوقوف مع سلطة صدام القوية· فهي السلطة الوحيدة التي تستطيع أن تقاوم الغزو الأجنبي الذي سوف يزيل كل عروشهم الهشة ويذلهم ···!؟
هذه الفكرة التي يطرحها صدام والتي تحمل المفهوم (النيتشوي للقوة) وهو المفهوم الذي يحتقر الضعيف ويمجد القوى الطاغية، وهو مفهوم لا يختلف عن فكرة العالم القديم حيث كان منظور الغالب الى المغلوب هي نظرة السيد الى العبد وهي تظهر بشكل واضح في خطابات صدام وأركان نظامه اليومية من على شاشات الفضائيات العربية، التي تظهر نظرة الاستصغار والاحتقار لكل القيادات العربية والإسلامية التي توصف بالجبن والضعف والخضوع للأجنبي··! مما جعل الكثير من القيادات والنخب الفكرية، تصدق فعلاً بأن قيادة صدام وإرادته الحديدية وثقته العالية في النفس، تمثل الحلقة القوية للأمة التي إذا ماانكسرت -وأطاح الأمريكان بها- سيتهدد الأمن القومي العربي والإسلامي؟
من الجدير بالذكر بأن إشكالية الفكر العربي (والبعثي بشكل خاص) الذي يتأرجح ما بين الاعتراف بالتنوع والتعدد والاختلاف من ناحية وبين الوحدة القسرية من ناحية أخرى، هو أيضا يعود لمصادره الفكرية الألمانية المتأرجحة حسب مقولة ليفي ستراوس: أن الفكر الألماني يتراوح بين إلغاء تعدد الثقافات وتنوعها من ناحية، والإقرار بها من ناحية أخرى··!
صدام والعرب
يحاول صدام أن يشعر العرب بالعجز والضعف عن مقاومة الولايات المتحدة وبريطانيا لأن صدام يستمد من ضعف الآخر قوته· فهو سيشعر بالضرورة باليأس والقنوط إذا لم ينظم العرب ويجتمعوا تحت قيادته في مقاومة العدو· لذلك يقوم صدام وأركان نظامه من خلال البيانات النارية بترويض وتنمية الرغبة لدى الأمة قيادة وشعوباً للاستسلام لقيادته المتحدية وتمجيدها ·· فيشعر بذلك بالحماية والأمن في ظلهم· وتزداد لديه الثقة بالنفس ويشعر بعدم الخوف من العقوبة· ·· لأن الخوف من العقوبة لا يجبر سوى المفرد المعزول!
لذا يعمل صدام جاهدا لن ينخرط معه في المواجهة عموم العالم تحت تأثير المصطلحات والأهداف النبيلة المتمثلة في الدعوة للسلام وحماية الشعب العراقي، والدفاع عن عقيدة الأمة·
وإن الموقف الذي تتبناه جميع وسائل الإعلام العربية والفضائيات التي تخضع لرقابة الحكومات يقع في هذا السياق· إنها تدعي أن التصريحات التي تتقدم بها القيادات العسكرية والمدنية لواشنطن ولندن متناقضة ومشوشة، ومشكوك بها بالنسبة للرأي العام الأمريكي والبريطاني· وبأن الآلة الأمريكية والبريطانية المتطورة مجرد أوهام استطاع العراقيون البسطاء إسقاطها ببنادقهم البسيطة، وبأن المقاتلين العراقيين الشجعان سيلقنون الغزاة دروسا لن ينسوها، وبأن المستنقع العراقي سيكون أسوأ من المستنقع الفيتنامي · وقد أخرجت وسائل الإعلام صورا للقتلى والأسرى الأمريكان وبقايا بعض الطائرات والمعدات التي أسقطتها القوات البعثية، مما يجعل ادعاء هذه القوات حقيقة وليست مجرد أكاذيب واختراع وترتيب أجهزة صدام الإعلامية···! |