| قبل الانتقال الى كيفية ممارسة نظام صدام البائد للعملية التشريعية وأوجه الشبه والخلاف بينه وبين الأنظمة الدكتاتورية المختلفة التي تطرقنا اليها، نرى من الأهمية بمكان تسليط الضوء على طبيعة العملية التشريعية في ظل الأنظمة الديمقراطية المختلفة·
2 - الديمقراطية والتشريع
بالرغم من أن التشريعات في الدول الديمقراطية تقوم على أسس واحدة وهي أن البرلمان هو السلطة التشريعية الذي يقوم بمناقشة وإقرار القوانين، إلا أن هناك اختلافات شكلية في كيفية مناقشتها وإقرارها وإصدارها تبعا لطبيعة النظام الديمقراطي·
من المفيد تسليط الضوء على طبيعة الأنظمة الديمقراطية المختلفة التي ستساعد في تشخيص عملية صناعة القوانين في هذه الأنظمة·
هناك ثلاث أنواع من الأنظمة الديمقراطية:
أ - أنظمة ديمقراطية برلمانية
ب - أنظمة ديمقراطية رئاسية
ج_ أنظمة ديمقراطية مختلطة
أ- النظام الديمقراطي البرلماني:
يمكن اعتبار بريطانيا كنموذج لهذا النظام، حيث يتكون البرلمان البريطاني من مجلسين هما مجلس اللوردات ومجلس العموم· يتألف مجلس اللوردات من أعضاء بالوراثة وآخرين بالتعيين وفق شروط معينة(3)· أما مجلس العموم الذي ينتخبه الشعب فهو صاحب السلطة الفعلية في العملية التشريعية· وعادة يكون زعيم حزب الأغلبية في البرلمان هو المسؤول عن تشكيل الحكومة (مجلس الوزراء) الذي يمثل السلطة التنفيذية·لقد استحدث منصب رئيس الوزراء أول مرة في بريطانيا عام 1721·
وهناك بعض البرلمانات تتألف من مجلس واحد فقط كما هو شأن أيرلندا وأخرى تتألف من مجلسين (مجلس الشيوخ ومجلس النواب) تنتخب من قبل الشعب، إلا أن ذلك لا يغير من طبيعة النظام كونه نظاما ديمقراطيا برلمانياً طالما أن الاختلاف شكلي، وأن رئيس الدولة في هذا النظام هو الملكة أو الملك وهو مجرد رمز للدولة وله صلاحيات شكلية ومحدودة وكما هي الحال في إسبانيا، السويد، هولندا، الدنمارك، النرويج، بلجيكا واليابان·
ويمكن أن يكون رئيس الدولة في مثل هذا النظام "رئيس جمهورية" الذي يجري انتخابه من قبل البرلمان وهو الآخر لا يتمتع الا بصلاحيات شكلية كتصديق القوانين والمراسيم كما في ألمانيا، إيطاليا، الهند، اليونان، أيرلندا، النمسا، فلندا والبرتغال· تبقى النقطة الجوهرية التي تميز هذه الأنظمة هو أن مجلس الوزراء المنبثق من البرلمان يمثل السلطة التنفيذية، وبعبارة أخرى فإن النظام الديمقراطي البرلماني يتميز بأن مجلس الوزراء الذي يشكله زعيم حزب الأغلبية في البرلمان يمثل السلطة التنفيذية·
ب - النظام الديمقراطي الرئاسي: الولايات المتحدة الأمريكية أهم النماذج لمثل هذا النظام، ويتميز هذا النظام بأن رئيس الجمهورية هو رئيس السلطة التنفيذية الذي ينتخب مباشرة من قبل الشعب، وهو الذي يقوم بترشيح الوزراء الذين يتم تعيينهم بعد موافقة السلطة التشريعية·
السلطة التشريعية الأمريكية تتألف من مجلسين هما مجلس الشيوخ الذي يمثل الولايات الأمريكية بمعدل عضوين عن كل ولاية بغض النظر عن حجم السكان ومجلس النواب يمثل أعضاؤه الكثافة السكانية لكل ولاية وتبعا لذلك فان الولاية ذات الكثافة السكانية الأعلى لها نواب أكثر في البرلمان (نائب واحد لكل 30000 شخص)·
وهناك بعض الدساتير ذات الأنظمة الرئاسية يتم انتخاب رئيس الجمهورية فيها عن طريق البرلمان كما هي الحال في جنوب أفريقيا، وطالما أن رئيس الجمهورية هو صاحب السلطة التنفيذية ويقوم بتعيين الوزراء، فان هذا الاختلاف الشكلي لا يغير من طبيعة النظام·
ج - النظام الديمقراطي المختلط: النموذج الأمثل هو النظام الفرنسي الذي يتكون برلمانه من مجلسين منتخبين من قبل الشعب هما مجلس الشيوخ ومجلس النواب (السلطة التشريعية)، أما السلطة التنفيذية فهي مشتركة بين رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء· وأن رئيس الجمهورية في هذا النظام يتم انتخابه من قبل الشعب مباشرة كما هو شأن النظام الرئاسي الأمريكي، أما رئيس الوزراء فيتم ترشيحه من قبل رئيس الجمهورية على أن يحصل على ثقة الأغلبية في البرلمان (الجمعية الوطنية الفرنسية) وغالبا ما يكون ممثلا لحزب الأغلبية في البرلمان (4)·
مما تقدم يظهر لنا بأن معيار التمييز بين الأنظمة الديمقراطية الثلاثة (البرلماني والرئاسي والمختلط) يكمن في اختيار السلطة التنفيذية وطريقة ممارسة صلاحياتها، ففي النظام الرئاسي يكون رئيس الجمهورية هو صاحب السلطة التنفيذية ولا يوجد رئيس وزراء ليشاركه هذه السلطة وأن الوزراء مسؤولون أمامه في تنفيذ واجباتهم· أما في النظام البرلماني فإن رئيس الوزراء الذي يمثل حزب الأغلبية في البرلمان هو رئيس السلطة التنفيذية وأن الوزراء مسؤولون أمامه في تنفيذ واجباتهم· بينما الوسط بين هذين النظامين هو ذلك النظام الذي تتوزع فيه السلطة التنفيذية بين رئيس الجمهورية المنتخب من قبل الشعب ورئيس الوزراء الحاصل على أغلبية ثلثي أعضاء البرلمان· أما توزيع السلطة التنفيذية بينهما ففي التجربة الفرنسية يتولى رئيس الجمهورية مهام الدفاع والخارجية بينما يتولى رئيس الوزراء الأمور الداخلية في المجال الاقتصادي والاجتماعي·
تشريع القوانين في الأنظمة الديمقراطية
بشكل عام فإن العملية التشريعية متشابهة في مختلف النظم الديمقراطية مع اختلاف في بعض الأمور الشكلية أو الفنية· فالبرلمان سواء يتألف من مجلس واحد أو مجلسين فإنه يمثل السلطة التشريعية المعنية بصناعة القوانين في الدول الديمقراطية وتعتبر السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية أو مجلس الوزراء) في جميع الدول الديمقراطية المصدر الرئيسي في التقدم بمشروعات القوانين الى البرلمان·
يتمتع المجلسان (الشيوخ والنواب) بصلاحيات متساوية في الولايات المتحدة الأمريكية عدا بعض الاستثناءات التي ينص عليها الدستور وعلى سبيل المثال فإن مجلس النواب له صلاحية إصدار القوانين الخاصة بالدخل· كما أن هناك بعض القوانين لا تصدر إلا بعد إقرارها من قبل اجتماع عام للمجلسين·
وقد بين الدستور الأمريكي طريقة التقدم بمشروعات القوانين، إذ يجوز لرئيس الجمهورية أن يقترح المشروعات على البرلمان، كما يجوز للنواب كأفراد أو جماعات التقدم بالمشروعات بناء على مبادرة شخصية منهم أو بناء على طلبات يتقدم بها الناخبون لهم·
مشروع القانون يحال إلى إحدى اللجان المختصة في مجلس الشيوخ أو مجلس النواب لدراسته وتقديم المقترحات حوله بالإقرار أو إضافة بعض التعديلات· كما أن هناك لجانا مشتركة بين المجلسين للنظر في مشروعات القوانين التي يحتاج إقرارها من قبل اجتماع عام مشترك بين المجلسين·
البرلمان البريطاني يختلف عن الأمريكي، حيث لا يوجد اجتماع مشترك بين المجلسين وإن مشروعات القوانين تمر بمرحلتين لغرض إقرارها وصدورها، وهما مرحلة مجلس العموم ومرحلة مجلس اللوردات عدا بعض القوانين التي تحتاج السرعة في البت كقانون الميزانية العامة للدولة التي يقرها مجلس العموم فقط·
وكما هي حال البرلمان الأمريكي، فإن مشروعات القوانين إما أن تتقدم بها السلطة التنفيذية (الحكومة) أو أحد النواب في المجلس، وأن نصيب الحكومة من المشروعات المطروحة تشكل %90 بينما نسبة المشروعات التي يتقدم بها النواب تشكل %10 التي من الصعوبة أن تشق طريقها الى التشريع إلا إذا أيدتها الحكومة التي تملك الأغلبية في البرلمان·
وقبل التصويت على أي مشروع قانون في مجلس العموم فإن المشروع لا بد أن يمر بالمراحل التالية:
- مرحلة الاستشارات: يمر المشروع قبل تقديمه للبرلمان بمرحلة الاستشارات على مختلف الأصعدة، حيث تقوم الوزارة المعنية بمشروع القانون باستشارة وزارة المالية، ومن ثم عدد من المنظمات التابعة للحكومة وخارج الحكومة التي لها علاقة بالمشروع كما يتم استشارة عامة الناس للوقوف على مدى استجابتهم للمشروع وذلك عن طريق وسائل الإعلام المختلفة واللقاءات المباشرة، وبعد الاقتناع بأهمية المشروع تعد ورقة بالمشروع لغرض طرحها على مجلس العموم·
- مرحلة القراءة: تجري في مجلس العموم مناقشات عدة وإجراءات قبل التصويت على المشروع التي يمكن تلخيصها كالآتي:
" القراءة الأولى يتقرر من خلالها اعتماد المشروع من عدمه·
" إذا اعتمد المشروع يتم تحويله الى لجنة مختصة لإعداد دراسة وتقرير بالمشروع فإما توافق على الصياغة النهائية له أو تجري تعديلات عليه وتعيده الى المجلس·
" القراءة الثانية تتركز على اقتراحات اللجنة المختصة وبعض التعديلات إن وجدت·
" القراءة الثالثة يجري من خلالها التصويت على مشروع القانون في المجلس وأن الأغلبية المطلقة كافية لإقراره·
وبعد إقراره من قبل مجلس العموم يرفع المشروع الى مجلس اللوردات الذي بدوره يقوم بالمراحل نفسها التي قام بها مجلس العموم وبالنتيجة:
- إما أن يرفض المشروع وفي هذه الحالة يتأخر النظر به مرة أخرى لمدة سنة كاملة·
_ أو يقترح عليه بعض التعديلات ويعيده إلى مجلس العموم وأن مجلس العموم إما أن يوافق على التعديلات أو يرفضها ويعيدها الى مجلس اللوردات لإقرارها أو سحب اعتراضه·
وإذا وافق مجلس اللوردات على المشروع فإن المشروع بصيغته النهائية يحال الى الملكة للتصديق عليه ويصبح قانونا حال التصديق عليه ونشره، وإن الإجراء الأخير شكليا تعارف عليه الدستور البريطاني· وكما هي الحال في النظامين البريطاني والأمريكي فإن السلطة التنفيذية في النظام الديمقراطي المختلط الذي يمثله الدستور الفرنسي الحالي (رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء) وأعضاء البرلمان لهم الحق باقتراح مشروعات القوانين ومن الناحية العملية فإن ما تتقدم به الحكومة من هذه المشروعات Projets deloi والتي تأخذ طريقها للتشريع يساوي %90 بينما المشروعات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان Proposition deloi تساوي %10·
لقد حدد الدستور الفرنسي طبيعة القوانين التي ينظر بها البرلمان باجتماع مشترك أو على انفراد من قبل مجلس النواب ومجلس الشيوخ وعلى سبيل المثال فإن الدستور الفرنسي أوجب أن تناقش مشروعات القوانين المتعلقة بالمالية من قبل اجتماع عام بين المجلسين بينما أغلبها ترك مناقشتها من قبل المجلسين على انفراد·
وعلى العموم فإن مشروع القانون الذي يرفع إلى مجلس النواب يحال إلى إحدى اللجان المختصة في المجلس كما يمكن إحالته الى أكثر من لجنة مختصة لإعداد الدراسات عليه وإن اللجنة إما أن تقوم بإقراره على صيغته أو تجري تعديلات عليه أو ترفضه وترفع توصياتها إلى المجلس· يقوم مجلس النواب بمناقشة المشروع مع وجهات النظر المختلفة وبعد إقرار صيغته النهائية يعرض للتصويت وعند إقراره يرفع الى مجلس الشيوخ الذي له صلاحيات مجلس النواب نفسها وبعد مناقشته في مجلس الشيوخ فإما يتم إقراره أو إجراء تعديلات عليه أو رفضه·
فإذا لم يصل المجلسين الى اتفاق بينهما حول المشروع ويرى رئيس الوزراء أن المشروع له أسبقية وأهمية فيجوز له أن يطلب عقد اجتماع مشترك بين المجلسين يتم اختيار سبعة من أعضاء مجلس الشيوخ وسبعة من مجلس النواب لمناقشة نقاط الخلاف على المشروع، وفي حالة عدم الوصول إلى اتفاق من خلال هذا الاجتماع فإن القرار النهائي يتخذ من قبل الاجتماع العام بين المجلسين·
هناك استثناء وفق المادة 49 من الدستور الفرنسي وفي حالات نادرة يلجأ رئيس الوزراء إلى إقرار قانون وعلى مسؤوليته وقبل أن يجري اجتماع البرلمان للتصويت عليه بشرط أن لا يتم الاعتراض على إجراء رئيس الوزراء من قبل البرلمان خلال 24 ساعة من صدوره وأن الأعضاء الذين يمتنعون عن التصويت يعتبرون مؤيدين لقرار رئيس الوزراء بإقرار القانون·
وعند إقرار أي مشروع قانون من قبل البرلمان فإن القانون يحول الى رئيس الجمهورية لإعلانه خلال مدة 15 يوماً من تاريخ وصوله، ويجوز لرئيس الجمهورية أن يطلب من البرلمان إعادة النظر في بعض أحكامه للأسباب التي يحددها قبل انتهاء المدة المذكورة·
كما يجوز لرئيس الجمهورية أورئيس الوزراء أورئيس الاجتماع العام للمجلسين أو60 عضواً من مجلس النواب أو رئيس مجلس الشيوخ أو 60 عضواً من مجلس الشيوخ أن يحيل المشروع الى المجلس الدستوري إذا ما وجدوا أن أحكام أو بعض أحكام هذا المشروع مخالفة للدستور الفرنسي·
سيتم التركيز من خلال الموضوع القادم على طبيعة العملية التشريعية في ظل نظام بغداد الدكتاتوري البائد.
* قاض عراقي سابق، ورئيس جمعية الحقوقيين العراقيين - لندن |