| حينما اخترع العالم الكيميائي السويدي ألفريد نوبل "الديناميت" في ستينات القرن التاسع عشر لم يكن هذا الاختراع قد بلغ في حجم قوته التدميرية والإبادة الجماعية مبلغ أسلحة الدمار الشامل الحديثة من نووية وذرية وكيماوية وبيولوجية··· إلخ· ومع ذلك كان سلاح "الديناميت" حينذاك وقبل تطوير حتى حجم قوته التدميرية من البشاعة في الإبادة قياسا بأسلحة ذلك الزمان مما دفع مكتشفه لاحقا للندم وظل يعاني من تأنيب الضمير·· ولم يرتح قلبه إلا بعد أن كفر عن ذنبه بوصية بوهب ثروته كجوائز دولية تخصص سنويا للعلماء والمبدعين الرواد على مستوى العالم في خمسة مجالات: الآداب والفيزياء والكيمياء والطب والسلام·
وغداة إلقاء أول قنبلة ذرية على هيروشيما وما أحدثته من مذبحة إبادة جماعية أودت بحياة عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء في ثوان معدودة تفجر الجدل العالمي على أوسع نطاق حول المسؤولية الأخلاقية والإنسانية للعالم الذي تسهم اكتشافاته وأبحاثه العلمية في تطوير أسلحة الدمار الشامل المفضية إلى الإبادات الجماعية السريعة العاجلة لآلاف وملايين البشر··· حول هذا الموضوع نشر أخيرا مقال صحافي قيم لخبير المشروع النووي العراقي السابق الدكتور أسعد الخفاجي رئيس تحرير "المجلة العلمية العراقية" حيث عالج فيه على وجه الخصوص مسؤولية العلماء العراقيين الذين وظفهم نظام صدام حسين السابق في تطوير أسلحة الدمار الشامل·
من جهته وبالرغم من أنه من مؤسسي مشروع الطاقة النووية الذي ظل يعمل فيه على مدى ثلاثين عاما منذ عام 1965 حتى فراره من العراق عام 1995 فإن الدكتور الخفاجي كان من الشجاعة الأخلاقية والأدبية بمكان حتى بالرغم من غياب أي دور مباشر له أو مقصود في تطوير أسلحة الدمار الشامل العراقية لأن يقول: "آن الأوان لكي أقدم اعتذاري إلى كل من لحقه الأذى بهذا القدر أو ذاك من الأبرياء نتيجة سوء استخدام النتائج العلمية والتقنية للبحوث العلمية التي شاركت فيها من خلال العقود الثلاثة من خدمتي الفعلية في تلك المؤسسة المثيرة للجدل"·
ويضيف: "وأعلن عن سخطي الشديد على الإجراءات القمعية والعدوانية البشعة للنظام المقبور ضد ضحايا شعبنا بالأسلحة الكيماوية في كردستان الحبيبة والجنوب الجريح إبان القضاء على الانتفاضة الشعبية عام 1991"، وبعد أن يعرض الخفاجي جانبا من محنة تشرده بين عدد من المطارات العربية التي ترفض دخوله بلدانها وهو العالم الفطحل ا لقدير حتى انتهى به المطاف أن يشغل وظيفة خبير سلامة نووية داخل أكبر دولة عظمى: الولايات المتحدة لتستفيد من مؤهلاته وخبراته كحال العديد من العلماء العرب الذين حط رحالهم هناك· ورغم كل ما يبذله العلماء العراقيون من جهود فإن أعلى مرتب لا يتجاوز 500 دولار إضافة إلى سفرة أو اثنتين إلى الخارج سنويا لمدة أسبوع تحت اسم مستعار وبصحبة اثنين من ضباط المخابرات·
وفي ضوء هذه الأوضاع المريرة التي يعمل في ظلها العلماء العراقيون يطرح الخفاجي سؤالا جديرا بالمناقشة والتأمل: ما الذي يجبر هؤلاء على الاستمرار في جو إرهابي لا يضمنون فيه سلامتهم من النظام الدموي أو من أذى شبكات التجسس الأجنبية وكل ذلك نظير مرتب زهيد؟ ويجيب بنفسه عن هذا السؤال: إن العمل في مؤسسات التصنيع خلال حكم صدام شأنه شأن الخدمة العسكرية لا ينتهي إلا بواحد من ثلاثة مصائر: إما الهجرة·· وإما السجن·· وإما الموت·
وليس من المقبول أن نطلب من كل إنسان - حسب تعبيره - الإقدام على واحد من هذه البدائل القاسية·· ويختتم مقاله بالدفاع عن علماء العراق بأن القلة منهم هي التي عملت ضمن برامج صدام التسلحية حبا في النظام أو طلبا للشهرة والمال أما الأكثرية فلم يكن لها من خيار آخر سوى واحد من البدائل الثلاثة وأوفرها ا لموت أو السجن·
* كاتب بحريني |