| الولايات المتحدة الأمريكية قامت بغزو جمهورية العراق في الربيع الماضي، الذي نتمناه من ناحيتنا ربيعا حقيقيا ودائما على أشقائنا الذين يحدوننا من الناحية الشمالية، متذرعة بعدم تمكين عصابة صدام حسين من إنتاج أسلحة الدمار الشامل، وبحجة نشر الديمقراطية في الجمهورية العراقية مكان تلك الديكتاتورية الصدامية العفنة التي خلص الله العراقيين منها·
الأمريكيون، وبعد أن تمكنوا تمكنا جزئيا من السيطرة على الوضع في العراق، أرسلوا إشارات بعضها إيجابي، أبرزها اعتقال المجرم الذي كان صديقا مخلصا لهم، ولكنهم يرسلون إشارات سلبية مهمة وخطيرة تجاه المساعدة على نشر الديمقراطية في العراق، وذلك مثل موقف الأمريكيين غير الديمقراطي المتمثل في مقترحهم الذي حاول تجاوز نبض الشارع العراقي وصوته الحر الحقيقي، ذلك الصوت الذي لا يمكن أن يصدر عن مصدر غير صناديق الاقتراع·
وقصة ذلك الموقف الأمريكي هي أنه، وبموجب بنود اتفاق موقع في الخامس عشر من نوفمبر الماضي بين مجلس الحكم الانتقالي وقوات الاحتلال، بوصفها القوة الفعلية الموجودة على الأرض العراقية حاليا، فإن "المجلس الوطني الانتقالي" الذي يفترض إنشاؤه قبل 31 مايو 2004، سيتألف من شخصيات يختارها أعضاء لجنة مؤلفة من خمسة عشر شخصا يعين مجلس الحكم الانتقالي العراقي خمسة منهم، أما العشرة الآخرون فتعينهم المجالس المحلية التي هي في الأصل غير منتخبة، حيث تختار قوات الاحتلال الأمريكي أعضاءها، تمهيدا لنقل السلطة الى حكومة عراقية بحلول نهاية شهر يونيو 2004·
الأمريكيون المساكين متحيرون بين مصالحهم الآنية الملحة على طريقة "عيشني النهارده وموتني بكره!"، ومصالحهم بعيدة المدى في هذا العالم "لاحظوا تحيرهم بين مصالحهم ومصالحهم!"، تلك المصالح الأكثر رزانة التي قد تسمح لهم ولباقي قوى العالم بالتبادل المعقول لبعض المصالح المشروعة والمشتركة، إذا كانت كلمة المصالح المشروعة داخلة في ألفباء الفكر السياسي للمحافظين الجدد·
فإذا انحنت الدولة الأولى ماديا·· لمساعدة بعض "مستثمريها" عابري القارات عن طريق تمرير بعض المصالح غير المشروعة لأولئك المستثمرين، فإن ذلك سوف يهدد المصالح المستقبلية للدولة الأولى في العالم كله مستقبلا، خصوصا في ظل المعارضة الشديدة التي يبديها آخرون "كالفرنسيين والألمان" الذين غضبوا كثيرا من موقف وزارة الدفاع الأمريكية التي "قررت هي!" أن تحرم معارضي "حرب تحرير وإعادة احتلال العراق" من حقهم في تقديم عروض إعمارية قد يجدها العراقيون مناسبة لهم جودة وسعرا، مما جعل أوروبا القديمة تتساءل في المحافل الدولية عن مدى قانونية هذا التحكم الأمريكي في مجريات أمور الاقتصاد الدولي على المستويين العام والإقليمي، كما أعلن العراقيون، بوضوح، عن حقهم في قبول المستثمرين الذين يقررون هم أنهم يسمحون لهم بالاستثمار في العراق·
فإذا اختار الأمريكيون مصالحهم الاستراتيجية، فعليهم أن "يضحوا" تضحية كبيرة تتجمد في قبولهم الحقيقي والاستراتيجي لخط الديمقراطية الكاملة في العراق، وبذلك ينبغي أن يكون القرار العراقي مستقلا على المستوى السياسي أولا، وعلى المستوى الاقتصادي ثانيا·· أليس الجانب الأمريكي هو من زعم أنه يدافع عن الخيار الديمقراطي في العراق؟ ألا يحملهم زعمهم هذا مسؤولية ضرورة تنفيذ هذا الزعم؟ ألا يعلمون أن مجاهر العالم القديم كله من أوروبا القديمة الى العرب القدماء الى المسلمين القدماء مصوبة ناحية تصرفات الأمريكيين التي لا نظنهم قادرين على ضبطها، ولو ضبطا جزئيا؟ ألا يعلمون أن تشوه سمعتهم أكثر فأكثر ضار بـ "المصالح" العليا لشعب الولايات المتحدة الصديق·· حفظا لـ "مصالح" آنية لفئة أمريكية محدودة، ولكنها نافذة؟
drjr@taleea.com
|