| من أراد مشاهدة العراق بمختلف محافظاته ومناطقه وأطيافه وأنواع شعبه فعليه التوجه إما لبيروت أو لدمشق فللوهلة الأولى تظن أنك فعليا في العراق لكثرة أبناء الشعب العراقي المتواجد هناك وعندما تتساءل عن سبب هذا التواجد الكثيف الغريب يواجهك تقريبا جواب واحد من أبناء شعب العراق وهو أن الحياة في العراق ما بعد "صدام" قد أصبحت صعبة!!! وأن الحياة ما قبل زوال عميل الشيطان الأول كانت أفضل!!! إن هذا الجواب وكي أكون صادقا لا تجده من شخص أو اثنين فقط بل الغالبية أكدوا أن سبب خروجهم من العراق هو هذا السبب·
قبل أيام قليلة كنت أجلس وكعادتي أشرب الشيشة في أحد المقاهي مع أحد الأصدقاء وكان يجلس بجانبنا مجموعة من الأشخاص عراقيي الجنسية من بينهم شاعر عراقي مشهور "جدا" وكان جل حديثهم يتناول أوضاع العراق وأوضاع شعبه العربي لم نكن نقصد أنا وصديقي أن نسمع حديثهم فالحاسة الوحيدة التي من الصعب السيطرة عليها هي حاسة السمع ثم إن صوتهم كان عاليا لدرجة يرغمك بها ذلك العلو على الإنصات له·
لن أطيل عليك عزيزي القارئ ولن أسرد كل ما قالوه فهو كثير جدا وما يميزه أنه عميق في معناه لكن ما يهمني ذكره هو عبارة أحد الجالسين حين قال: "شعبنا غريب عجيب هسه صدام صار خوش ريس؟!! قد يستغرب الكثيرون كما استغرب هذا الشخص موقف الكثيرين والذين رأيت الغالبية منهم من الشعب العراقي تترحم على أيام الطاغية بل ومنهم من يتمنى عودته!! كلام الشاعر كان مؤثراً جداً ومقنعاً فالشعب العراقي بل وغالبيته العظمى فرحت في بادئ الأمر لسقوط النظام وكلابه الذين نهشوا لحم العراق وشعبه لكن الطريقة الأمريكية في التعامل مع بعض الظروف كانت خاطئة وخصوصا في موضوع الأمن وفضيحة سجن أبو غريب التي كانت ضربة موجعة للتواجد الأمريكي في العراق فلن تجد هناك اثنين من بين كل ألف عراقي مقتنعين بأن القيادة الأمريكية باختلاف تدرجاتها لم يكن لديها علم بما يحدث في ذلك السجن المشؤوم والمجندون والضباط الأمريكان ليسوا بتلك السذاجة لكي يقوموا بعمل لا يتوافق مع نظرة قيادتهم· فقد أصبح العراقي المنتشي بزوال الظلم والبطش يائسا ومتأكدا بأنهما (الظلم والبطش) سيظلان ملازمين له حتى بعد زوال الطاغية (صدام) فقد صدموا بمن يتحدث عن حقوق الإنسان وهو يهين الإنسان في السجون، تحدثوا أيضا عن قصة أحد المعتقلين وهو أحد أقرباء أحد الجالسين حيث تكلم عما حصل لقريبة من إهانات وتعذيب بشع قد يختلف بالأسلوب عن السابق لكنه يحتوي على المضمون نفسه وهو إهانة النفس البشرية·· أنا شخصيا مؤمن إيمانا كاملا ومطلقا بأن طاغية كصدام لم يكن هناك أحد قادرا على نزع بطشه إلا الأمريكان وهذا الأمر لا يستطيع إنكاره لا العقل ولا المنطق وأحمد الله عز وجل باعتباري عربيا ويهمني كل شبر عربي ويؤلمني ما يؤلم العرب ويسعدني ما يسعد كل روح وأرض عربية على زوال صدام وكلابه، لكن هذا لا يمنع من أن هناك أمورا يجب على العقل أن يقف عندها، فهناك الأمن وهو أمر يجب علينا أخذه بعين الاعتبار فما يحدث في العراق من انعدام للأمن تقع مسؤوليته الكبرى على الأمريكان لكنها ليست المسؤولية الوحيدة فأيضا الشعب العراقي تقع على عاتقه مسؤولية ذلك الأمن·
أمريكا أعلنت مرارا وتكرارا أن همها هو عودة العراق السابق عهده معافى سليما وأنا هنا لست "عرافا" كي أقرأ النوايا سواء كانت خبيثة أم حميدة ولنفترض أن الأمريكان صادقون بكل ما أعلنوا عنه فعلى الشعب العراقي إيقاف الهجمات التي تحصل والتي تؤدي الى إهدار حياة المئات أسبوعيا والتي أيضا تعتبر شماعة لعنف الأمريكان وعليه أن يعطيهم فرصة ليثبتوا من خلالها حسن نواياهم "هذا إن وجدت" فإعمار العراق وإعادته لسابق عهده وفوضى الأمن لن يحصل بين يوم وليلة كما لن يحصل خلال سنة أو اثنتين نحن نتلكم عن بلد كبير وضخم بشعبه وتراثه وماضيه وتاريخه وإمكاناته هدمه صدام وزبانيته بجشعه وبطشه وظلمه فهو يحتاج للكثير وهذا الكثير منطقيا لن يتم بوجود ما يحدث من انعدام للأمن وانتشار السرقات وقتل للأبرياء وخطف المدنيين الأبرياء وقطع رؤوسهم بحجة أنهم متعاونون مع المحتل·· أنا أفهم كيف أنه لا يرضى أي أحد أن يحتل بلده لكني أفهم أيضا أنه عندما يحتاج بلدي أن أتحمل وأن أفكر بعقلي لا بعواطفي لأجل عودته لسابق عهده علي أن أفعل ذلك·
معظم العرب والعراقيين يطالبون بخروج القوات الأمريكية من العراق فورا وكلمة فورا هذه أسميها نوعا من أنواع "إيقاف العقل وتغليب العاطفة" إن خروج الأمريكان في هذا الوقت بالذات هو نهاية العراق بل وبداية لفتنة ولحرب أهلية ولفرقة وشتات وتفتت ونهب للعراق وقد لا يكون للعراقيين أنفسهم دور فيه فقط يلعب دورا في كل ذلك القاعدة وغيرها من المخربين الذين يتسللون لنشر العبث والخراب في العراق فضرب الكنائس والمساجد والأضرحة والسيارات المفخخة ستصبح يومية لو خرج الأمريكان (فورا) حيث ستصبح لغة السلاح والطائفة الأكبر والعشيرة الأقوى هي اللغة الطاغية وقتها سنترحم وسيترحم العراقيون أنفسهم على الوقت الذي كانت به أمريكا تسيطر على العراق·
بالتأكيد لست فرحا لاحتلال دولة عربية لكني سأكون في قمة تعاستي وألمي حين أرى العراق العربي مقسما ومفتتا ومشتتا ولمن لم يفهم معنى كلامي جيدا عليه دراسة تاريخ لبنان وحربه الأهلية التي طحنت أرضه وشعبه وطحنت معها قلوب الكثير من العرب الذين يحبون لبنان والحال العراقية لا تختلف كثيرا عن الوضع اللبناني في السابق والحالة العراقية بحاجة الى التعقل والنظر بالعقل لا العواطف فعندما يتفق الشعب على وقف العنف ستجبر أمريكا على العمل الحقيقي لإعادة إعمار العراق وسيكشف وقتها من المتسبب الحقيقي بإشعال العنف داخل العراق وبعد هذا كله ستجبر الولايات المتحدة الأمريكية على الخروج من العراق، هذا ما أفهمه وهذا ما عقلي يفهمه، قد يراه البعض خاطئا وأراه صائبا مشكلتنا نحن العرب أننا شعوب عاطفية وهذا أحد أسباب بلائنا وخراب حياتنا، فقد اتفقنا جميعنا على أمر "رغم أننا من النادر جدا أن نتفق" وهو أن نعطي عقولنا إجازة طويلة الأمد لا يعرف موعد انتهائها أو إن كانت ستنتهي تلك الإجازة أم لا· |