| غيب الموت قبل أيام قليلة خلت الروائي والمسرحي والبحاثة التراثي العربي اليهودي العراقي الكبير سمير نقاش عن عمر يناهز الـ 66 عاما إثر أزمة قلبية مباغتة، ولا تخلو ظروف رحيله المفاجئ، غريبا مغربا عن وطنه العراق والذي يعيش الآن في أسوأ محنة من الفوضى والاضطرابات تحت الاحتلال الأمريكي من مغزى لهذه النهاية التراجيدية الفاجعة هو الذي حُمل على مغادرة العراق وعجز عن الاندماج في غيره وطنا بديلا له·
وفي سيرته الذاتية من الانشداد المجنون إلى ثقافته العراقية والعربية ما يشي من الدلالات والعبر حول أزمة الهوية اليهودية الإسرائيلية بل أزمة كل من يحاول أن يتبناها له كهوية وطنية هي التي لفظها النقاش وعجزت نفسيته عن مجرد التفكير فيها أو التكيف معها·
وعلى الرغم من أن عائلة المبدع العراقي النقاش هاجرت إلى إسرائيل بعد سنوات قليلة من قيامها ولم يكن عمره يتجاوز الـ 13 عاما فإنه عجز عن الاندماج في المجتمع الجديد المصطنع وظل يعتبر نفسه دائما وأبدا كاتبا عربيا عراقيا هو الذي نشأ في كنف عائلة يهودية عربية عراقية ظلت محافظة على لغتها وعاداتها وثقافتها الشعبية العراقية حتى بعد حملها على الهجرة إلى إسرائىل، وظل حتى الرمق الأخير من حياته يكتب كل روائع أعماله الروائية والمسرحية بالعربية والتي ترجمت إلى لغات عديدة، هذا بالإضافة إلى شغفه بالتراث البغدادي ومن ضمنه اهتمامه بتراث بني ملته من سكانها وأهاليها على مر العصور·
يعبر سمير نقاش عن معاناته الطويلة من العجز عن الاندماج في المجتمع الإسرائيلي قائلا: "المتاعب الحقيقية التي يعاني منها كاتب أو شاعر في إسرائيل هو اليهودي العراقي الذي يكتب بالعربية، إذ لا يعترف به أحد فلا هو معدود على الكتاب العبريين ولا هو معدود على الكتاب العرب، ومن هنا يأتي حرمانه من كل المخصصات والجوائز ومساندة النشر حكوميا إلى غير ذلك من حقوق الأديب"·
وإذا كان نقاش وبسبب هذه المعاناة الاغترابية من عجزه المزدوج عن الاندماج والاستقرار في إسرائيل وعن العودة إلى مسقط رأسه ومرابع طفولته بلاد الرافدين وطنه ووطن أجداده قد قضى جل عمره في المنفى فمن سخريات القدر أن يقضي نحبه في إسرائيل بعد شهرين فقط من اضطراره للعودة إليها بعد أن باءت كل محاولاته للاستقرار في بريطانيا بالفشل، هو الذي يعد معروفا وناشطا في أوساط الجاليات العراقية في المهجر ولاسيما في أوساط المثقفين والمبدعين منهم أكثر مما هو معروف في الوسط الثقافي اليهودي الإسرائيلي·
وعلاوة على أعماله الروائية والقصصية التي من أشهرها "الخطأ" و"حكاية كل زمان ومكان" و"يوم حبلت وأجهضت الدنيا" أثرى الفقيد العراقي صحافة المهجر العراقية من جرائد ومجلات ودوريات بالكثير من أعماله ودراساته التراثية الرائعة والتي تتناول ضمن ما تتناول المدارس والتعليم القديم في بغداد، والمأكولات الشعبية البغدادية كالزنكولة "الزلابية"، وتاريخ القص الشعبي العراقي في حكايات الأطفال والكوميديا الشعبية، وأغاني الأعراس الشعبية والجلوات وغيرها من أشكال الفلكلور العراقي·
وإذا كان الفقيد قد رحل في ظروف أسوأ محنة يمر بها وطنه العراق حيث غاب نسيا منسيا خارجه من دون أن يدفن في ترابه ويودع بما يليق بمكانته، حاله كحال سائر قمم الإبداع والرموز الوطنية التي غيبها الموت في المنفى في ظروف مشابهة خلال محنة الوطن الطويلة تحت نير الدكتاتورية أو الاحتلال الأمريكي فإن الآمال معقودة بقوة على كل الشرفاء والطيبين العراقيين بجمع وطبع كل أعماله الكاملة والمطالبة بنقل رفاته إلى وطنه بعد أن تنقشع الغمة الحالية التي تخيم على العراق ويتماثل إلى الشفاء·
ü كاتب بحريني |