| لست بصدد الحديث عن الأهداف السياسية لتلك الاستجوابات البرلمانية المتتالية "فكل إناء بما فيه ينضح"، ثم إننا تطرقنا لبعض منها في السابق، ولكن كثرة الاستجوابات وتنوعها تشير الى حالة سياسية غير مستقرة وغير سوية، المراقب لأوضاع الأجهزة الحكومية المختلفة يصعب عليه تصور برلمان - مهما كانت تركيبته - يرضى عن تلك الأوضاع الشاذة: وزارة صحة تكثر فيها حالات الأخطاء الطبية المميتة، وزارة عدل تنقصها المصداقية في تعاملها مع أموال القصر، وزارة طاقة لديها قصور في الطاقة الكهربائية والمائية (وتطلب تطوير حقول الشمال النفطية!) وزارات وهيئات تعجز حتى "الفيلة" عن حمل الفساد المستشري فيها·· إلخ· المسؤولية السياسية للوزراء في ظل مثل هذه الأوضاع لا بد أن تؤدي الى حدوث أزمات في العلاقة بين المجلس والحكومة، حيث عادة ما تنتهي عندنا إما بالحل أو التدوير أو بطرق أخرى بعيدة عن الحلول الأكثر فاعلية·
قانون الانتخاب والدوائر الانتخابية والقوانين المقيدة للحريات والممارسات غير القانونية والتحالفات الرمادية و·· كل هذه المعطيات ساعدت على تفريغ الدستور من مضامينه وأفرزت لنا برلمانات غير قادرة على ممارسة دورها النيابي بالشكل المطلوب وعاجزة عن تحقيق الديمقراطية الحقيقية - ولو بالحد الأدنى - مما "زاد الطين بلة" وأصبح لدينا وزارة تربية بعض مناهجها تحث على الفتنة والطائفية، ووزارة أوقاف بعض دور العبادة التابعة لها تستغل لنشر فكر التطرف والتكفير، ووزارة إعلام تقيد وسائل الإعلام··· وكدنا أن نصبح دولة دينية داخل دولة تدعي الديمقراطية كما أصبح من الصعب تصور حكومة "إصلاحية" - مهما بلغت درجة جديتها - قادرة على التعامل مع برلمان ناقص الشرعية· نحن إذن أمام أزمة لا تنفع معها الحلول "الترقيعية" القديمة ولا بد من التغيير·· تغيير في النفوس والقناعات قبل النصوص والشكليات· |