| يلاحظ المتابع للأخبار وشاشات الفضائيات اتساع حركة الشعوب العربية وقوة تفاعلها مع قضايا مجتمعها ويلفت الانتباه أن حضور الجماهير طغى على حضور النخب التي عادة ما تحتكر وسائل الإعلام· المظاهرات عمت شوارع العواصم العربية ولا تلبث اللجان والجمعيات الشعبية تتشكل في مختلف القضايا ثم لا تلبث وتلاحظ كثرة المبادرات والمؤتمرات لاحتواء حركة الشارع ضمن مشاريع منهجية تحقق علاجا للقضايا محل التصعيد·
نتساءل ونحن في الكويت: لماذا لا نلاحظ هذا الحضور والحركة المستمرين للشارع الكويتي بالرغم من أننا لا نقل عن الآخرين بزحمة قضايانا المطروحة وتأثيرها السلبي علينا، فلدينا إخفاقات في كل شيء تقريبا: تعطل في التنمية ومشاكل في التوظيف وقلة الرواتب، وضعف مجلس الأمة، وفشل في التعليم وفي السياسات الإسكانية وحتى الرياضية ذقنا مرارة الإخفاق والفشل، بالرغم من أنه لدينا هامش من الحرية لابأس به يتيح لمن يبادر سهولة الحركة، والاتصال والتجميع كما لدينا حرية صحافة وحرية في تكوين جمعيات ولجان أهلية بل وبرعاية حكومية أيضا، كما أن جمعيات النفع العام والنقابات يتاح لها أن تقيم فعالياتها وتتصدى للقضايا التي هي محل اهتمام الناس من دون تضييق يذكر، مع ذلك تشتكي غالبية الفعاليات العامة من قلة الجمهور وضعف التفاعل·
بالأمس القريب قامت الجمعيات النسائية بالتنسيق مع كثير من الفعاليات والمنظمات النقابية والطلابية لعمل حملة واسعة لحشد التأييد لحقوق المرأة السياسية ودفعت على هذه الحملة مبالغ طائلة إلا أن التفاعل كان شبه معدوم كما فشل مديرو هذه الحملة في جمع عدد يزيد عن 200 امرأة أمام مجلس الأمة أما دعوتهم لنساء الكويت للإضراب عن العمل فإنها ولدت ميتة!
وبالأمس القريب أيضا ضج الشارع الكويتي بفضيحة الكرة الكويتية بخسائرها الفادحة وعبرت صحف الكويت عن حالة الغضب الشعبي الأمر الذي دعا رئيس مجلس الأمة لعقد جلسة خاصة لمناقشة إخفاق الرياضة الكويتية مما دعا بعض النخب الشبابية للدعوة لاعتصام أمام مجلس الأمة للمطالبة بحل اتحاد الكرة وإصدار التشريعات اللازمة لتحسين الوضع الرياضي إلا أنه بالرغم من الدعم الإعلامي الكبير لم يتجمهر أمام مجلس الأمة سوى عشرات معدودة كما أن المستجيبين لهذه الدعوة من قبل نواب الأمة الأفاضل لم يكف للوصول للنصاب المطلوب فألغيت الجلسة غير مأسوف عليها·
تلك الحالة التي - كما أظن - تنفرد فيها الكويت عن باقي الشعوب العربية تستدعي منا الوقوف عليها وتشخيصها، فعندنا كل الشعوب العربية تعاني ولها قضاياها المهمة ولكن في الغالب يقل تفاعل الناس في التعبير والنهوض بتلك القضايا بسبب قلة هامش الحريات أو بسبب الخوف أو بسبب عدم وجود قنوات إعلامية أو مجتمعية تعبر عن صوت الشارع وحركته، أما في الكويت لدينا حرية صحافة ولدينا كيانات وجمعيات شعبية بنفس ما لدينا من قضايا ومشاكل يصدع لها الرأس لكنها لم تساهم في تحقيق الاستجابة المطلوبة من قبل الشارع·
ولعل هذه الحالة الكويتية الفريدة مرتبطة بالواقع المعيشي للكويتيين بشكل أساسي كما هي مرتبطة بنوعية العلاقات الاجتماعية بين الكويتيين، فالكويتي لا يعاني من سوء مستواه المعيشي بالقدر الذي يعانيه الإنسان العربي ولم يجرب حالة الحرمان وقلة الحيلة وهو الذي عطل التجاوب المطلوب مع القضايا العامة، فقد أنعم الله علينا ببحبوحة من العيش الكريم تجعل الكثيرين يفكرون في زيادة المال أو تحسين مركزهم الوظيفي أو الاجتماعي والانغماس في الكماليات والماديات مما أثر على أهميه القيم العامة في الحياة تلك القيم التي هي الأساس المحرك لكل القضايا العامة·
فكل قضية لا تحقق مصلحة شخصية مباشرة على الفرد لن تكون بالأهمية لدى كثير من الكويتيين ولن تكون جاذبة المواطن الكويتي حتى لو كانت تلك القضية مرتبطة بتحقيق قيمة مهمة كتحقيق العدل أو المساواة أو رد الحق لنصابه، أضف لذلك تأثير الوضع الاجتماعي وتشعب العلاقات الاجتماعية بين الكويتين بحيث حل كسب العلاقات وسيله فعالة لتحقيق ما يصبو إليه أي فرد فمن السهولة بمكان لدينا في الكويت الوصول لأي شخصية مهما علا شأنها لالتماس أي حاجة أو تحقيق أي منفعة حتى لو كان ذلك على حساب آخرين مما جعل قوة الولاء الاجتماعي تطغى على الولاء لقيم عامة مطلقة تحقق عدالة للجميع وهو ما رسخ الفئويات بكل أشكالها وتنوعها·
ويمكن الاستنتاج أن سياسة الدولة الريعية التي خطتها البلاد منذ بداية عهد النهوض في الخمسينات هي التي أوصلتنا لهذه السلبية المفرطة مما يدعونا ونحن مقبلون على انتهاء تلك السياسة إلى بث القيم من جديد في الناس وتشجيع شبابنا وشاباتنا للمشاركة الإيجابية مع الحياة العامة وغرس قيمة العطاء والتضحية وتفعيل العمل التطوعي في الكويت بكل مجالاته وبشتى صوره· |